أنتلجنسيا:أبو جاسر
مع اقتراب شهر رمضان، يتحول السوق المغربي إلى ساحة مفتوحة لسباق الأسعار، حيث ترتفع كلفة العيش بشكل صاروخي، وتُدفع الأسر، خصوصاً الهشة والمتوسطة منها، إلى حافة الاختناق اليومي.
لحوم حمراء تلامس أرقاماً غير مسبوقة، دواجن تفقد صفتها كغذاء شعبي، أسماك تُباع بمنطق الندرة رغم طول السواحل، وخضر أساسية تقفز أسعارها دون أي منطق إنتاجي أو موسمي.
والمشهد ليس طارئاً ولا مفاجئاً، بل نتيجة تراكم سياسات عمومية فاشلة وتواطؤ صريح مع لوبيات الاحتكار.
أسواق بلا رحمة وغلاء بلا سقف
في مدن وقرى المملكة، تتوحّد الشكوى، الأسعار تحلّق والدخل ثابت أو يتآكل...الكيلوغرام الواحد من اللحم الأحمر أصبح حلماً لشرائح واسعة، بينما قفزت أسعار الدواجن بشكل ينسف أي حديث عن “بدائل” غذائية.
أما السمك، الذي يفترض أن يكون وفيراً ورخيصاً في بلد بحري، فقد صار امتيازاً طبقياً، بسبب مسارات توزيع معطوبة وهيمنة الوسطاء.
الخضر بدورها، رغم توفرها، تُسعّر بمنطق المضاربة لا بمنطق العرض والطلب.
حكومة ترفع الشعارات وتخفض اليد
أمام هذا النزيف، تبدو الحكومة عاجزة أو غير راغبة في التدخل الحازم..فوعود “ضبط السوق” و”حماية القدرة الشرائية” تتبخر مع أول موجة غلاء، فيما آليات المراقبة تشتغل بمنطق المناسبات لا بمنطق الدولة.
حيث، لا تسقيف فعلياً للأسعار، لا زجر للمضاربين، ولا شفافية في سلاسل الإنتاج والتوزيع. الدعم، حين وُجد، لم يصل إلى المستهلك، بل استقر في جيوب المستفيدين الكبار.
لوبيات الاحتكار:الدولة داخل الدولة
جوهر الأزمة يكمن في شبكة احتكارية تتحكم في مفاصل السوق: من الاستيراد إلى التخزين إلى التوزيع.
هذه اللوبيات، التي راكمت أرباحاً قياسية، تعمل في ظل حماية غير معلنة، وتستغل كل مناسبة دينية أو ظرفية لرفع الأسعار دون حسيب.
والنتيجة، سوق مشوّهة، منافسة ميتة، ومستهلك أعزل.
رمضان بين العبادة والإذلال الاقتصادي
رمضان، شهر التضامن والسكينة، يتحول إلى موسم ضغط نفسي ومالي على الأسر، حيث موائد تُختصر، عادات تُلغى، وكرامة استهلاكية تُداس.
فالغلاء الغلاء قدراً، بل قراراً سياسياً ونتيجة غياب الإرادة لكسر الاحتكار وتفعيل القانون.
ما المطلوب الآن؟
تدخل فوري بسقف أسعار مؤقت للمواد الأساسية، فتح ملفات الاحتكار والمضاربة دون انتقائية، إعادة هيكلة مسارات التوزيع، وتمكين أجهزة المراقبة من صلاحيات زجرية حقيقية.
والأهم من كل هذا، هو تحمّل حكومة عزيز أخنوش لمسؤولياتها كاملة، بدل الاكتفاء بتبادل التبريرات الفارغة.
فالرسالة واضحة ومفادها، أن المغاربة لم يعودوا يحتملون. الغلاء ليس أزمة عابرة، بل امتحان لشرعية السياسات العمومية. ومن يختَر الصمت أو التواطؤ، يتحمّل تبعات الغضب الاجتماعي القادم.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك