مجلس الحسابات يُفجر ملف ملايير الدراهم ويضع الحكومة في قفص الاتهام

مجلس الحسابات يُفجر ملف ملايير الدراهم ويضع الحكومة في قفص الاتهام
اقتصاد / السبت 31 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:عبد الله البارودي

في وقت تتسع فيه الهوة بين المغرب العميق ومراكز القرار، فجّر المجلس الأعلى للحسابات معطيات ثقيلة حول برنامج “تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية”، كاشفاً أن واحداً من أضخم الأوراش العمومية تحوّل عملياً إلى مشروع منحرف عن أهدافه، رغم غلاف مالي ناهز 50 مليار درهم، ورغم الخطاب الرسمي الذي رُوّج له باعتباره رافعة للعدالة المجالية.

المهمة الرقابية التي أنجزها المجلس كشفت أن البرنامج، الذي انطلق سنة 2017، انشغل أساساً بتعبيد الطرق والمسالك على حساب الاستثمار في الإنسان، حيث ابتلع قطاع الطرق وحده 71 في المائة من الميزانية الإجمالية، بينما تُركت قطاعات الصحة والتعليم والماء والكهرباء في الهامش، رغم كونها جوهر أي سياسة حقيقية لتقليص الفوارق الاجتماعية. فالصحة لم تنل سوى 3 في المائة من الغلاف المالي، والتعليم 10 في المائة، والكهرباء 4 في المائة، في حين اقتسم الماء ما تبقى بنسبة 12 في المائة، في اختلال صارخ يعكس تصوراً تنموياً يفضل الإسفلت على الخدمات الأساسية.

ولم يقف التقرير عند حدود الاختيارات غير المتوازنة، بل سجل إخلالاً واسعاً بالتعهدات المالية من طرف أغلب القطاعات الشريكة. فرغم أن الشركاء التزموا نظرياً بما يفوق 94 في المائة من الغلاف المالي إلى حدود 2023، فإن الأداء الفعلي لم يتجاوز 84 في المائة، حتى بعد تمديد عمر البرنامج إلى منتصف 2025. وزارات ومؤسسات مركزية، من بينها صندوق التنمية القروية ووزارة المالية ووزارة التجهيز ووزارة التربية الوطنية ومجالس الجهات، عجزت عن الوفاء بالتزاماتها بدعوى غياب الموارد، في حين التزمت وزارتا الفلاحة والصحة بتعهداتهما، ما يعكس خللاً بنيوياً في التنسيق والتمويل.

أما على مستوى الإنجاز، فرغم برمجة حوالي 11 ألف مشروع، لم يكتمل سوى نحو 82 في المائة منها، بينما ظلت البقية متعثرة، في مؤشر واضح على ضعف الحكامة والتدبير. المجلس وجّه انتقادات حادة لإسناد تنفيذ المشاريع لجهات لا تتوفر على الكفاءة التقنية ولا القدرات التدبيرية، حيث لم تُراعَ لا الخبرة ولا الموارد البشرية ولا القدرة على التتبع والمراقبة. هذا الخلل كان أكثر وضوحاً في المشاريع التي أشرفت عليها العمالات والأقاليم ومجالس الجهات، وهي الجهات التي تولت الإشراف على أزيد من 70 في المائة من مجموع المشاريع، وسجلت في المقابل نسب إنجاز ضعيفة وتأخيرات متكررة.

التقرير رصد أيضاً أعطاباً تقنية خطيرة، من بينها ضعف الدراسات أو غيابها، وعدم دقة تقدير الكلفة، والانطلاق في الأشغال دون تسوية الوضعيات العقارية أو استكمال التراخيص، ما أدى إلى توقف عدد من المشاريع أو تضخم تكلفتها دون نتائج ملموسة.

الأكثر دلالة سياسياً أن البرنامج، الذي يفترض فيه إحداث تحول بنيوي، انحصر في أغلبه في الصيانة وإعادة التأهيل بدل بناء منشآت جديدة. المجلس اعتبر هذا التوجه انحرافاً عن جوهر البرنامج، لأن إصلاح القائم لا يصنع عدالة مجالية، ولا يغيّر واقع الهشاشة. وحتى المنشآت الجديدة القليلة التي أُنجزت، واجهت مصيراً عبثياً، إذ إن نحو 8 في المائة منها، خاصة في الصحة والتعليم، بقيت مغلقة وغير مستغلة بسبب غياب الموارد البشرية أو التجهيزات، من بينها مئات البنيات المكتملة التي تحولت إلى بنايات صامتة بلا وظيفة.

وتكشف الخلاصة الأخطر في التقرير أن أثر البرنامج كان أوضح في الجماعات التي لا تعاني أصلاً من عزلة حادة، بينما استفادت الجماعات الأكثر هشاشة وعزلة بشكل أقل، في مفارقة سياسية تفرغ مفهوم “تقليص الفوارق” من مضمونه، وتحوله عملياً إلى إعادة توزيع غير عادلة للاستثمار العمومي.

وفي المحصلة، لم يكتف المجلس الأعلى للحسابات بتشخيص الاختلالات، بل وجّه اتهاماً ضمنياً لمنظومة الحكامة برمتها، منتقداً ضعف آليات قياس الأثر، وغياب تتبع التوصيات، واختلال نظام المعلومات، وغياب الالتقائية بين المتدخلين. تقرير لا يقرأ فقط كوثيقة رقابية، بل كاتهام سياسي مباشر لسياسات عمومية أنفقت المليارات دون أن تنجح في كسر منطق الهشاشة، تاركة العدالة المجالية وعداً مؤجلاً إلى أجل غير مسمى.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك