المغرب يقترب من مرحلة الإفلاس المائي وتحذير أممي يكشف استنزاف الفرشات الجوفية ويضع السياسات الفلاحية في قفص الاتهام

المغرب يقترب من مرحلة الإفلاس المائي وتحذير أممي يكشف استنزاف الفرشات الجوفية ويضع السياسات الفلاحية في قفص الاتهام
اقتصاد / الإثنين 16 مارس 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو آلاء

لم يعد الحديث عن أزمة الماء في المغرب مجرد تحذيرات موسمية مرتبطة بسنوات الجفاف، بل تحول إلى إنذار عالمي صريح بأن البلاد تسير بسرعة نحو مرحلة “الإفلاس المائي”، وهي المرحلة التي يصبح فيها استنزاف الموارد المائية العذبة أكبر من قدرة الطبيعة على تعويضها، بما يهدد التوازن البيئي والاقتصادي والاجتماعي على المدى الطويل.

هذا التحذير جاء في تقرير دولي حديث صادر عن جامعة الأمم المتحدة بعنوان “الإفلاس المائي العالمي 2026.. العيش بما يتجاوز الموارد المائية”، والذي وضع المغرب ضمن المناطق المصنفة ضمن أعلى مستويات الخطر المائي في العالم، في مؤشر مقلق يعكس تحولا خطيرا من أزمة ظرفية إلى واقع بنيوي يصعب التراجع عنه.

ويشير التقرير إلى أن المغرب لم يعد يواجه فقط تداعيات تغير المناخ أو تراجع التساقطات المطرية، بل يعيش ما وصفه بـ“الجفاف البشري المنشأ”، وهو وضع ناتج أساساً عن الاستغلال المفرط للموارد المائية الجوفية، حيث يتم ضخ المياه من الفرشات الطبيعية بوتيرة تتجاوز بكثير قدرتها الطبيعية على التجدد، وهو ما يؤدي تدريجياً إلى استنزاف ما يسميه الخبراء “رأس المال المائي” للبلاد.

ويضع التقرير القطاع الفلاحي في صدارة المسؤولية عن هذا الوضع، حيث يستحوذ وحده على ما يقارب ما بين 80 و90 في المائة من مجموع الموارد المائية المستهلكة في المغرب، ما جعل مساحات واسعة من الأراضي المسقية تدخل في دائرة “الإجهاد المائي الحاد”، وهو مؤشر يعكس ضغطاً غير مسبوق على الموارد الطبيعية.

ويكشف التقرير أن الاعتماد المكثف على المياه الجوفية لتعويض نقص الأمطار خلال السنوات الأخيرة أدى إلى تدهور خطير في العديد من الفرشات المائية، بعضها بلغ مستوى من الاستنزاف لم يعد يسمح له بالتعافي الطبيعي، وهو ما وصفه الخبراء بحالة “اللاعودة”، أي أن بعض المخزونات المائية قد تضيع بشكل نهائي.

ولا تتوقف الأزمة عند حدود الكمية المتوفرة من المياه، بل تمتد أيضاً إلى تدهور الجودة، حيث يشير التقرير إلى أن التلوث والملوحة ساهما في تقليص حجم المياه الصالحة للاستعمال الفعلي، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد المائي في بلد يعيش أصلاً تحت ضغط مناخي واقتصادي متزايد.

وفي ظل هذا الوضع، يحذر التقرير من سيناريو يعرف عالمياً باسم “يوم الصفر”، وهو اللحظة التي قد تجد فيها المدن الكبرى نفسها أمام نفاد المياه من شبكات التوزيع، وهو احتمال لم يعد نظرياً بالكامل إذا استمرت معدلات الاستهلاك الحالية دون تغيير جذري في أنماط التدبير والاستغلال.

كما يدعو التقرير إلى تبني ما سماه “إدارة الإفلاس المائي”، وهي مقاربة تقوم على الاعتراف بأن بعض الموارد قد فُقدت بالفعل، وأن الحل لا يكمن فقط في تحسين تقنيات الري أو البحث عن مصادر جديدة، بل في خفض الطلب على المياه بشكل حقيقي وإعادة النظر في النموذج الزراعي القائم.

ومن بين التوصيات الأساسية التي قدمها التقرير تقليص المساحات المزروعة بالمحاصيل الأكثر استنزافاً للمياه، وإعادة هيكلة السياسات الفلاحية بما ينسجم مع الواقع المائي الجديد، إلى جانب ضمان حد أدنى من المياه الضرورية للحياة اليومية، مثل مياه الشرب والنظافة والخدمات الصحية.

كما شدد التقرير على ضرورة ألا تتحمل الفئات الهشة والفلاحون الصغار وحدهم كلفة هذا التحول، خصوصاً في حال اتخاذ قرارات بإغلاق الآبار غير القانونية أو تقليص الأنشطة الزراعية المستهلكة للمياه، داعياً إلى توفير بدائل اقتصادية واجتماعية لهذه الفئات.

وبين تحذيرات الخبراء وواقع السياسات المائية، يبدو أن المغرب يقف اليوم أمام لحظة حاسمة في تدبير ثروته المائية، حيث لم يعد السؤال المطروح هو كيف يمكن تجاوز موسم جفاف جديد، بل كيف يمكن إنقاذ ما تبقى من الموارد المائية قبل أن يتحول العطش إلى أزمة وطنية مفتوحة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك