الاقتصاد المغربي ينزف وعجز تجاري قياسي يفضح هشاشة نموذج التصدير

الاقتصاد المغربي ينزف وعجز تجاري قياسي يفضح هشاشة نموذج التصدير
اقتصاد / السبت 31 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو فراس

دخل الميزان التجاري المغربي سنة 2025 في منطقة الخطر، بعدما قفز العجز إلى مستوى غير مسبوق بلغ 353 مليار درهم، في مؤشر صادم على اختلال بنيوي يتجاوز الظرفية الدولية ليضع السياسات الاقتصادية الحكومية في قفص الاتهام.

أرقام مكتب الصرف لا تعكس مجرد تراجع تقني، بل ترسم صورة اقتصاد يستهلك أكثر مما ينتج، ويستورد أسرع مما يصدّر، في وقت تتقلص فيه قدرة الصادرات الوطنية على لعب دور صمام الأمان.

واردات منفلتة وصادرات عاجزة عن اللحاق

الاختلال الجوهري، برز من خلال الفجوة المتسعة بين وتيرة الواردات والصادرات، في نمط الاقتصاد المغربي.

فبينما ارتفعت الواردات بنسبة 8 في المائة خلال سنة واحدة، مدفوعة أساساً بتنامي استيراد تجهيزات الإنتاج والمواد الاستهلاكية النهائية، لم تتمكن الصادرات من مجاراة هذا النسق، مكتفية بنمو محتشم لم يتجاوز 2.8 في المائة.

والنتيجة كانت تراجع نسبة تغطية الصادرات للواردات إلى 57 في المائة، وهو مستوى يعكس هشاشة القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني في الأسواق الخارجية.

قطاع السيارات يفقد بريقه الأوروبي

الضربة الأقوى جاءت من القطاع الذي كان يُقدَّم لسنوات كقاطرة التصدير المغربي، صناعة السيارات.

هذا القطاع سجل تراجعاً بنسبة 2 في المائة، في سابقة منذ سنة 2020، نتيجة فتور الطلب الأوروبي، السوق التي ما تزال تستحوذ على النصيب الأكبر من صادرات المغرب الصناعية.

هذا التراجع كشف حجم الارتهان البنيوي للأسواق الأوروبية، وأظهر محدودية هامش المناورة حين تتغير الرياح الاقتصادية في القارة العجوز.

الفوسفات والطيران:نقاط ضوء لا تغيّر الصورة العامة

في المقابل، سجل قطاع الفوسفات ومشتقاته انتعاشاً لافتاً، محققاً قرابة 100 مليار درهم من الصادرات، وهو أعلى مستوى له منذ ثلاث سنوات، مستفيداً من تحسن الأسعار الدولية.

كما واصلت صناعة الطيران صعودها الهادئ، محققة رقماً قياسياً بلغ 29 مليار درهم.

غير أن هذه المؤشرات الإيجابية، رغم أهميتها، لم تكن كافية لتعويض التراجع في القطاعات الكبرى أو لوقف نزيف الميزان التجاري.

خارطة طريق حكومية:علاج متأخر لاختلال مزمن

أمام هذا الوضع، سارعت الحكومة إلى إطلاق خارطة طريق للتجارة الخارجية للفترة 2025-2027، معلنة عن إمكانيات تصديرية غير مستغلة تقدر بـ120 مليار درهم.

الخطة تراهن على تنويع الشركاء وتقليص الاعتماد على أوروبا، عبر التوجه نحو إفريقيا والعالم العربي، ومراجعة اتفاقيات تبادل حر وُصفت عملياً بأنها غير متكافئة.

غير أن الرهان الحقيقي يظل معلقاً على قدرة هذه الاستراتيجية على الانتقال من الورق إلى الواقع، في ظل ضعف النسيج الصناعي المحلي واستمرار التبعية للاستيراد.

السياحة تنقذ العملة لا الميزان التجاري

وسط هذا المشهد القاتم، برز قطاع السياحة كاستثناء إيجابي، محققاً إيرادات قياسية بلغت 138 مليار درهم، ومتجاوزاً الأهداف المسطرة بأشواط.

هذا الأداء ساهم في ضخ العملة الصعبة وخفف الضغط على الاحتياطات، لكنه لا يعالج جوهر الأزمة، لأن السياحة تظل مورداً ظرفياً لا يعوض غياب قاعدة إنتاجية تصديرية قوية ومتنوعة.

وفي المحصلة، تكشف أرقام 2025 أن العجز التجاري المغربي لم يعد مجرد رقم مقلق، بل أصبح عنواناً لأزمة نموذج اقتصادي قائم على الاستيراد، ومكبلاً بتبعية الأسواق الخارجية.

أزمة تطرح سؤالاً سياسياً مباشراً، إلى متى يستمر هذا النزيف ومن يتحمل مسؤولية اقتصاد يستهلك أكثر مما ينتج؟

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك