أنتلجنسيا:الرباط
تحول برنامج “فرصة”، الذي قدمته الحكومة كرافعة لدعم المبادرات الفردية وإنعاش التشغيل، إلى محور جدل سياسي متصاعد داخل مجلس النواب المغربي، بعدما فجّر الفريق الحركي معطيات صادمة تكشف تعثر آلاف المشاريع الممولة، ما يضع السياسات العمومية في مرمى مساءلة حقيقية حول جدوى هذا الورش الذي كان يُفترض أن يمنح الأمل لجيل كامل من الشباب في المغرب.
المراسلة البرلمانية الموجهة إلى وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني تكشف أن ما يقارب 16 ألف مشروع من أصل المشاريع المستفيدة من البرنامج تواجه التعثر، في مؤشر خطير يعكس هشاشة النموذج المعتمد في تمويل المبادرات الصغرى، ويطرح تساؤلات عميقة حول فعالية المواكبة والدعم المقدمين لحاملي المشاريع، الذين وجد كثير منهم أنفسهم في مواجهة التزامات مالية دون قدرة حقيقية على الاستمرار.
المعطيات الأكثر إثارة للقلق تشير إلى أن عدداً مهماً من المستفيدين لم يلجأ حتى إلى طلب تأجيل سداد القروض، ليس بسبب نجاح مشاريعهم، بل نتيجة توقفها وعجزهم عن الوفاء بالتزاماتهم، وهو ما يفتح الباب أمام سيناريوهات اجتماعية واقتصادية مقلقة، قد تنتهي بمتابعات قضائية تضاعف من هشاشة هذه الفئة بدل إنقاذها.
في العمق، لا يتعلق الأمر فقط بأرقام تعثر، بل بإخفاق محتمل في تصور فلسفة البرنامج نفسه، حيث يظهر أن الرهان على التمويل دون تأمين مواكبة فعالة وتكوين مستمر ودراسة دقيقة لجدوى المشاريع، قد حوّل المبادرة من فرصة للاندماج الاقتصادي إلى عبء مالي يثقل كاهل الشباب، ويهدد بتحويل حلم المقاولة إلى كابوس ديون.
سياسياً، يضع هذا الملف الحكومة في زاوية حرجة، خاصة مع تصاعد المطالب بالكشف عن الحصيلة الحقيقية للبرنامج، وتوضيح مصير آلاف المستفيدين الذين وجدوا أنفسهم خارج دائرة النجاح، وسط غياب معطيات دقيقة حول عدد المشاريع التي لا تزال صامدة مقابل تلك التي انهارت بصمت.
كما يعيد هذا الجدل طرح سؤال أعمق حول كيفية تدبير برامج الدعم العمومي، ومدى قدرتها على تحقيق أثر حقيقي على أرض الواقع، بعيداً عن منطق الأرقام الترويجية، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاجتماعية وتتعاظم انتظارات الشباب الباحث عن فرص حقيقية وليس مجرد وعود مؤقتة.
وفي ظل هذه المؤشرات، يتجه النقاش نحو ضرورة إعادة تقييم شاملة لبرنامج “فرصة”، ليس فقط عبر إجراءات تقنية ظرفية، بل من خلال مراجعة جذرية تضع الإنسان في صلب السياسات العمومية، وتضمن أن لا تتحول المبادرات الحكومية إلى فخاخ مالية، بل إلى أدوات حقيقية للتمكين الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك