أنتلجنسيا:أبو آلاء
عاد ملف الأمن الغذائي ليطرق أبواب البرلمان من زاوية صادمة، بعدما تفجّرت معطيات تفيد بتحويل كميات ضخمة من القمح والشعير الموجّهة لإنتاج دقيق الاستهلاك البشري إلى مصانع الأعلاف الحيوانية، في مشهد يختزل اختلالات خطيرة في تدبير الدعم العمومي ويضع القدرة الشرائية للمغاربة في مهبّ الريح.
هذا وخرجت القضية إلى العلن، عبر سؤال برلماني وُجّه إلى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، كشف عن ممارسات تطرح أكثر من علامة استفهام حول مصير أموال ضخمة صُرفت باسم حماية الخبز اليومي للمواطنين.
المساءلة البرلمانية، التي تقدمت بها النائبة نعيمة الفتحاوي عن المجموعة النيابية للعدالة والتنمية خلال اجتماع لجنة البنيات الأساسية والطاقة والمعادن والبيئة والتنمية المستدامة، دقّت ناقوس الخطر بخصوص استغلال بعض الفاعلين الاقتصاديين للدعم الحكومي عبر توجيه الحبوب المدعومة نحو الأعلاف بدل المطاحن، في التفاف مباشر على الهدف الاجتماعي للدعم.
هذا التحويل، وفق المعطيات المثارة، لا يتم عرضاً، بل نتيجة سيطرة مستوردين بعينهم على كامل سلسلة التوريد، من الاستيراد إلى التخزين ثم المعالجة، ما يمنحهم قدرة شبه مطلقة على إعادة توجيه الحبوب بعيداً عن أعين المراقبة.
وتزداد خطورة هذه الممارسات في سياق اقتصادي واجتماعي هش، حيث ضخّت الدولة خلال سنة 2024 وحدها ما يفوق 2.5 مليار درهم لدعم قطاع الحبوب، ضمن ميزانية إجمالية تجاوزت 10 مليارات درهم خلال السنوات الأخيرة، بهدف امتصاص صدمات ارتفاع الأسعار العالمية وتداعيات الجفاف، مع تثبيت سعر القمح الفرنسي المدعوم عند 1.20 درهم للكيلوغرام.
غير أن الواقع في الأسواق كشف مفارقة صادمة: أسعار بعض أنواع الدقيق واصلت الارتفاع، فيما استفادت قطاعات أخرى، غير معنية أصلاً بالاستهلاك البشري، من حبوب مدعومة يفترض أن تصل إلى موائد المغاربة.
أمام هذا الوضع، طالبت النائبة الحكومة بكشف الحقيقة كاملة، من خلال تحديد المسؤوليات بدقة، وحصر الحجم الحقيقي لهذه الاختلالات، وتعزيز آليات المراقبة والتتبع والتدبير الصارم للإعانات العمومية، حتى لا يتحول الدعم من أداة لحماية الأمن الغذائي إلى ريع جديد يُغذّي الأرباح على حساب الخبز.
فالملف، كما يتضح، لم يعد تقنياً أو قطاعياً، بل بات اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الدولة على حماية قوت المواطنين وضمان أن لا يُساق قمح المغاربة إلى غير وجهته، بينما تُترك الأسر لمواجهة الغلاء وحدها.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك