من المدرجات إلى الدبلوماسية:الرباط وداكار تطفئان نار النهائي وتفتحان صفحة المصالح الإفريقية

من المدرجات إلى الدبلوماسية:الرباط وداكار تطفئان نار النهائي وتفتحان صفحة المصالح الإفريقية
اقتصاد / السبت 24 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:لبنى مطرفي

بعد أن خمد صخب صافرة نهائي "كان 2025" وتراجع ضجيج المدرجات، تحرك مسار آخر أكثر عمقًا وحسمًا، إنه مسار السياسة والمصالح الاستراتيجية.

فابتداء من الاثنين المقبل 26 يناير الجاري، يحلّ رئيس الوزراء السنغالي عثمان سونكو بالرباط في زيارة رسمية تأتي في توقيت دقيق، عقب توترات غذّتها أحداث المباراة النهائية بين "أسود التيرانغا" و"أسود الأطلس"، وما تلاها من احتقان رقمي وشحن انفعالي عابر للحدود.

الزيارة ليست بروتوكولًا عاديًا ولا مجرّد تهدئة ظرفية. فهي تندرج ضمن أشغال “اللجنة الكبرى المشتركة” بين البلدين على مدى يومين، وتتوج بمنتدى اقتصادي مغربي-سنغالي يُراهن عليه لتثبيت الشراكة وتحويل التوتر الرياضي إلى رافعة تعاون عملي. الرباط وداكار، اللتان تجمعهما روابط تاريخية ودينية وشراكات ممتدة في السياحة والطاقة والتكوين والبنيات التحتية والنقل، تختاران الرد بالفعل المؤسسي لا بالانفعال.

غير أن الخلفية لا يمكن تجاهلها. فالتصعيد على مواقع التواصل الاجتماعي كشف هشاشة الوعي الرياضي حين يُستدرج إلى منطق الاستقطاب. المباراة التي انتهت بفوز السنغال بهدف بعد التمديد تحولت، بفعل قرارات تحكيمية مثيرة واحتجاجات ميدانية، إلى اختبار للأمن والتنظيم. محاولة اقتحام أرضية الملعب، ورشق المقذوفات، ومغادرة لاعبين لأرضية اللعب قبل العودة بوساطة نجمهم ساديو ماني، كلها مشاهد كشفت سرعة انتقال الشغف من المدرجات إلى الفوضى.

اليوم، لا يزال 18 مشجعًا سنغاليًا رهن الاعتقال الاحتياطي بالمغرب على خلفية “الشغب الرياضي”، في انتظار استئناف محاكمتهم يوم 29 يناير. الملف قضائي قبل أي شيء، لكن حساسيته السياسية والإعلامية حاضرة بقوة، ما يفرض على الجميع خطابًا مسؤولًا يميّز بين المحاسبة القانونية وحماية العلاقات الأخوية.

في هذا السياق، جاء موقف الملك محمد السادس واضحًا، حيث أدان “الأحداث المؤسفة والتصرفات المرفوضة للغاية”، مع تأكيد أن انحسار الانفعال كفيل بإعادة الأخوة الإفريقية إلى مسارها الطبيعي. بالمقابل، دعا عثمان سونكو إلى نزع الطابع الانفعالي عن واقعة لا ينبغي أن تتجاوز حدود الرياضة. رسالتان متوازيتان تُغلّبان الحكمة على المزايدة.

الرهان اليوم أكبر من مباراة. فالمغرب بات فضاءً إفريقيًا بامتياز؛ أرقام المندوبية السامية للتخطيط تُظهر أن مواطني إفريقيا جنوب الصحراء يشكّلون قرابة 60% من الأجانب المقيمين بالمملكة سنة 2024، وأن السنغاليين هم الفئة الأكثر حضورًا. هذه المعطيات تجعل من أي توتر عابر مسألة حساسة، وتفرض مقاربة تُزاوج بين سيادة القانون وحماية النسيج الإنساني الإفريقي المشترك.

زيارة سونكو إلى الرباط هي اختبار نضج سياسي: هل تُترجم الأزمة إلى فرصة؟ المؤشرات تقول نعم. حين تتقدّم المصالح المشتركة، وتُفصل الرياضة عن الحسابات الضيقة، يصبح النهائي محطة عابرة، وتتحول الدبلوماسية إلى الحكم الذي يُنهي المباراة بلا خاسرين.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك