أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
في قرار يعكس تحولات اقتصادية عميقة تمس الحياة اليومية للأسر المغربية، أعلن المجلس العلمي الأعلى تحديد الحد الأدنى لقيمة زكاة الفطر لعام 2026 في 25 درهماً، وهو مبلغ يمثل زيادة بنحو 8,7 في المائة مقارنة بالسنة الماضية، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن ارتفاعات أكثر حدة عند النظر إلى تطور القيمة خلال السنوات الماضية.
فالأرقام المتراكمة خلال العقد الأخير تبرز تحولا لافتاً في هذا المؤشر الديني المرتبط مباشرة بقوت المواطنين، إذ إن المبلغ المحدد هذه السنة ارتفع بنسبة تقارب 66,6 في المائة مقارنة بعام 2017 عندما كانت القيمة في حدود 15 درهماً، بينما تبلغ الزيادة حوالي 92,3 في المائة إذا ما قورنت بسنة 2018 التي لم تتجاوز فيها الزكاة 13 درهماً.
وتكشف قراءة تطور هذه القيمة منذ سنة 2015 عن مرحلتين واضحتين؛ الأولى اتسمت بتفاوت كبير في التقديرات حيث تراوحت القيمة بين 8 و20 درهماً حسب المناطق، ثم مرحلة ثانية اتسمت بنوع من الاستقرار النسبي بين سنتي 2018 و2020 عندما تم تثبيت المبلغ في حدود 13 درهماً.
غير أن هذا الاستقرار لم يدم طويلاً، إذ بدأ المنحنى في الارتفاع بشكل متسارع ابتداء من عام 2022، لتقفز القيمة من 15 درهماً إلى 25 درهماً خلال خمس سنوات فقط، وهو ارتفاع سريع يعكس تغيرات ملموسة في أسعار المواد الغذائية التي تشكل أساس احتساب زكاة الفطر.
فالزكاة التي تعتمد في تقديرها على ما يعرف بغالب قوت أهل البلد، مثل القمح والشعير والدقيق، أصبحت في نظر العديد من المتابعين مؤشراً واقعياً على تحولات أسعار المواد الأساسية التي تدخل في القفة اليومية للمغاربة، خصوصاً أن هذه المواد ترتبط مباشرة بتكلفة تأمين الحد الأدنى من الغذاء.
ورغم أن المؤشرات الرسمية تشير إلى تباطؤ التضخم في بداية سنة 2026 ليصل إلى نحو 0,8 في المائة، فإن المقارنة بين تطور زكاة الفطر خلال السنوات العشر الماضية تعطي صورة مختلفة تماماً عن الواقع، حيث يظهر ما يمكن وصفه بالتضخم غير المعلن في أسعار المواد الغذائية الأساسية.
فإذا اعتُمد متوسط زكاة الفطر في حدود 12 درهماً سنة 2015 كنقطة مرجعية، فإن القيمة الحالية تعني أن الزيادة الإجمالية خلال عقد واحد بلغت نحو 100 في المائة، وهو ما يعكس عملياً تراجع القدرة الشرائية المرتبطة بتأمين صاع من الحبوب إلى النصف تقريباً.
بعبارة أوضح، ما كان يكفي لشراء كميتين من القمح قبل عشر سنوات لم يعد يكفي اليوم إلا لشراء كمية واحدة تقريباً، وهو مؤشر اقتصادي صامت يعكس حجم التحولات التي مست تكلفة المعيشة في المغرب.
وقبل اعتماد الرقم الموحد المعمول به اليوم، كان تحديد قيمة زكاة الفطر يتم وفق نظام أقرب إلى اللامركزية الفقهية، حيث كانت المجالس العلمية المحلية تحدد المبلغ بحسب الظروف الاقتصادية لكل منطقة.
وقد أدى هذا النظام إلى تفاوت كبير بين المدن والأقاليم، إذ سُجلت أدنى قيمة في مناطق الجنوب الشرقي مثل زاكورة وورزازات حيث بلغت ثمانية دراهم، بينما وصلت في بعض المدن الأخرى مثل تمارة إلى عشرين درهماً.
لكن ابتداء من عام 2016 شرع المجلس العلمي الأعلى في تنظيم هذه العملية عبر اعتماد ما سمي آنذاك بنظام النطاق القيمي، حيث جرى تحديد الزكاة بين حد أدنى وحد أقصى يتراوحان بين 12 و15 درهماً، في خطوة اعتُبرت مرحلة انتقالية نحو توحيد القيمة على المستوى الوطني.
ومع مرور السنوات، انتهى هذا المسار التنظيمي باعتماد رقم موحد كحد أدنى في مختلف مناطق المغرب، وهو النظام المعمول به اليوم، حيث استقر المبلغ في سنة 2026 عند 25 درهماً، في قرار يحمل في ظاهره طابعاً فقهياً، لكنه في العمق يعكس مؤشراً اقتصادياً واضحاً على التحولات التي عرفتها أسعار الغذاء والقدرة الشرائية للمواطنين خلال العقد الأخير.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك