أمطار بلا أثر استراتيجي..لماذا يفشل المغرب في تحويل الغيث إلى أمن مائي دائم؟

أمطار بلا أثر استراتيجي..لماذا يفشل المغرب في تحويل الغيث إلى أمن مائي دائم؟
اقتصاد / السبت 24 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:لبنى مطرفي

رغم الأمطار الغزيرة التي أنعشت الأجواء وأنهت سنوات من القحط الظاهر، يجد المغاربة أنفسهم أمام مفارقة صادمة، حيث السدود لا تزال نصف فارغة، والمخزون المائي بعيد عن الاطمئنان.

مشهد يطرح سؤالًا حادًا لا يمكن الهروب منه: هل المشكل في السماء أم في السياسات العمومية التي عجزت عن تحويل الغيث إلى أمن مائي طويل الأمد؟

الخبير في البيئة والتنمية، أحمد الطلحي، يفكك هذا التناقض من جذوره، مؤكدًا أن الإشكال لا يرتبط بندرة التساقطات كما يُروّج رسميًا، بل يعود بالأساس إلى اختيارات بنيوية خاطئة في هندسة السدود واستراتيجية التخزين. فالمغرب، حسبه، راكم عددًا كبيرًا من السدود، لكنه لم يراكم قدرة حقيقية على التخزين الاستراتيجي.

فإلى حدود 23 يناير 2026، لم تتجاوز الحقينة الإجمالية للسدود الوطنية نصف طاقتها، رغم امتلاء عدد معتبر منها بنسبة 100 في المائة. هذا المعطى، في ظاهره إيجابي، يخفي واقعًا مقلقًا: أغلب هذه السدود صغيرة الحجم، تمتلئ بسرعة لكنها تُستنزف بسرعة أكبر، ولا تصمد سوى لسنوات قليلة أمام الضغط المتزايد على الموارد المائية.

الأرقام صادمة، من أصل 148 سدًا بالمملكة، يوجد 114 سدًا بسعة تقل عن 50 مليون متر مكعب، أي سدود عاجزة بطبيعتها عن لعب دور استراتيجي في مواجهة الجفاف. في المقابل، لا يتجاوز عدد السدود التي تفوق طاقتها مليار متر مكعب أربعة سدود فقط، وهي التي تحتكر وحدها أكثر من نصف القدرة التخزينية الوطنية، بما مجموعه 8.8 مليارات متر مكعب من أصل 17.2 مليار.

هذا الخلل البنيوي يضع المغرب في وضع محرج عند مقارنته إقليميًا ودوليًا. فأكبر سد مغربي، سد الوحدة، لا تتجاوز سعته 3.5 مليارات متر مكعب، بينما تبلغ سعة السد العالي في مصر 169 مليار متر مكعب، وسد كاريبا في إفريقيا الجنوبية 185 مليار متر مكعب، وسد النهضة الإثيوبي 74 مليار متر مكعب. المقارنة هنا ليست تقنية فقط، بل سياسية واستراتيجية، وتعكس اختلافًا جذريًا في الرؤية والتخطيط.

المفارقة الأكثر حدة أن المغرب يُصنّف ضمن الدول المتقدمة عالميًا من حيث عدد السدود، لكنه متأخر بشكل واضح من حيث القدرة على التخزين طويل الأمد. كثرة المنشآت لم تُترجم إلى أمن مائي، بل إلى وهم إنجازات رقمية، تخفي هشاشة بنيوية تجعل البلاد رهينة تقلبات المناخ سنة بعد أخرى.

وحسب الطلحي، فإن تدبير الماء في المغرب لا يزال أسير منطق رد الفعل بدل التخطيط الاستباقي، حيث يتم التركيز على بناء سدود صغيرة ومتوسطة، بدل الاستثمار في مشاريع كبرى قادرة على استيعاب الفائض المائي في السنوات الرطبة وتأمين البلاد خلال فترات الجفاف الممتد.

الخلاصة قاسية لكنها ضرورية: الأمطار وحدها لا تصنع الأمن المائي، والسدود الكثيرة لا تعني بالضرورة تخزينًا فعالًا. ما لم تُراجع الدولة اختياراتها الاستراتيجية في مجال الماء، وتنتقل من منطق الكم إلى منطق القدرة والاستدامة، سيظل المغرب يعيش المفارقة نفسها: غيث في السماء، وقلق في الأرض.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك