ثقة على الورق وبؤس في البيوت وأرقام رسمية تفضح فشل الدولة والحكومة في حماية معيشة المغاربة

ثقة على الورق وبؤس في البيوت وأرقام رسمية تفضح فشل الدولة والحكومة في حماية معيشة المغاربة
اقتصاد / الجمعة 23 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو فراس

رغم محاولات التلميع بالأرقام والمؤشرات، تكشف معطيات رسمية صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط واقعا اجتماعيا مقلقا، يعكس عمق الأزمة التي تعيشها الأسر المغربية، ويضع الدولة وحكومتها في قلب المسؤولية السياسية المباشرة عن تدهور شروط العيش واتساع دائرة الهشاشة.

فحسب المندوبية، بلغ مؤشر ثقة الأسر 57,6 نقطة خلال الفصل الرابع من سنة 2025، مقابل 46,5 نقطة خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، وهو ما قُدم رسميا باعتباره “تحسنا”. غير أن الغوص في تفاصيل هذه الأرقام يفضح مفارقة صارخة: تحسن تقني في المؤشر يقابله شعور عام بالاختناق الاجتماعي وانسداد الأفق.

المعطيات نفسها تؤكد أن 77,8 في المئة من الأسر صرحت بتدهور مستوى معيشتها خلال السنة الماضية، مقابل 5,3 في المئة فقط قالت إن وضعها تحسن، فيما اكتفت أقلية بالقول إن أوضاعها استقرت. وهي أرقام لا تترك مجالا للشك في أن السياسات العمومية المتبعة فشلت في كبح الغلاء، وضبط الأسعار، وحماية القدرة الشرائية، رغم الوعود الحكومية المتكررة.

أما بخصوص المستقبل، فالصورة أكثر قتامة، إذ تتوقع قرابة نصف الأسر (49,4 في المئة) مزيدا من التدهور في مستوى المعيشة خلال السنة المقبلة، في حين لا ترى سوى 9,9 في المئة بصيص أمل في التحسن. ويعكس هذا التشاؤم فقدان الثقة في اختيارات الدولة الاقتصادية والاجتماعية، وعجز الحكومة عن تقديم حلول ملموسة بدل الخطابات المطمئنة.

وفي ملف البطالة، الذي يشكل أحد أبرز مصادر القلق الاجتماعي، تتوقع 65,2 في المئة من الأسر ارتفاع عدد العاطلين خلال الأشهر المقبلة، مقابل 17,5 في المئة فقط تعتقد العكس. ورغم تسجيل “تحسن” حسابي في رصيد هذا المؤشر، فإن الواقع يؤكد أن سوق الشغل ما زال عاجزا عن استيعاب الشباب، في ظل سياسات تشغيلية توصف بالمرتبكة وغير العادلة.

ويزداد الوضع سوءا عند الحديث عن اقتناء السلع المستديمة، حيث اعتبرت 67,1 في المئة من الأسر أن الظروف غير ملائمة نهائيا للقيام بأي شراء كبير، ما يعكس تآكل الثقة في المستقبل الاقتصادي، وتراجع الاستهلاك بفعل ضعف الدخل وارتفاع كلفة المعيشة، وهي نتائج مباشرة لاختيارات حكومية لم تضع المواطن في صلب أولوياتها.

أما الوضع المالي للأسر، فيكشف بدوره عن هشاشة خطيرة، إذ صرحت 39,2 في المئة من الأسر بأنها اضطرت إلى استنزاف مدخراتها أو اللجوء إلى الاقتراض لتغطية مصاريفها، في حين لم تتجاوز نسبة الأسر القادرة على الادخار 2,4 في المئة فقط. وهي أرقام صادمة تؤكد أن الأغلبية الساحقة تعيش على حافة العجز، دون أي حماية اجتماعية حقيقية.

هذه المعطيات، الصادرة عن مؤسسة رسمية، لا يمكن اختزالها في لغة “التحسن النسبي”، بل تضع الدولة وحكومتها أمام مسؤولية تاريخية عن تفاقم الأزمة الاجتماعية، نتيجة سياسات اقتصادية غير منصفة، وغياب رؤية واضحة للعدالة الاجتماعية، واستمرار تحميل كلفة الأزمات للمواطن البسيط.

ففي الوقت الذي تتغنى فيه الحكومة بالمؤشرات، يعيش ملايين المغاربة واقعا يوميا عنوانه الغلاء، البطالة، واستنزاف المدخرات، ما يجعل مؤشر “ثقة الأسر” أقرب إلى رقم معزول عن الواقع، ويحوّل هذه الأرقام إلى شهادة إدانة سياسية صريحة لفشل التدبير العمومي في ضمان الحد الأدنى من العيش الكريم.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك