200 مليار دولار..أضخم ميزانية في تاريخ المملكة على طاولة الحكومة المقبلة فهل تستطيع بناء مغرب جديد؟

200 مليار دولار..أضخم ميزانية في تاريخ المملكة على طاولة الحكومة المقبلة فهل تستطيع بناء مغرب جديد؟
ديكريبتاج / الإثنين 28 شتنبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)

تدخل الحكومة المغربية المقبلة ولايتها في ظل مرحلة اقتصادية واستثمارية استثنائية، مع توقعات ببلوغ حجم الاستثمارات العمومية المبرمجة خلال السنوات المقبلة مستويات غير مسبوقة، قد تتجاوز، وفق تقديرات متداولة، 200 مليار دولار، وهو رقم ضخم يضع أمام السلطة التنفيذية المقبلة فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الاقتصاد الوطني، وتسريع وتيرة التنمية في مختلف جهات المملكة.

وتكشف المعطيات المتوفرة عن حجم التحول الذي يعرفه الاستثمار العمومي بالمغرب، بعدما حددت الحكومة في قانون مالية 2026 غلافاً استثمارياً إجمالياً بلغ 380 مليار درهم، موجهاً إلى عدد من الأوراش الكبرى في البنيات التحتية والنقل والماء والطاقة واللوجستيك وغيرها من القطاعات الاستراتيجية.

وتتجه الدولة، بالتوازي مع ذلك، إلى إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية، إذ تشير المذكرة التوجيهية لإعداد مشروع قانون مالية 2027 إلى أن الغلاف المالي الأولي لهذه البرامج، الممتدة على ثماني سنوات، يناهز 210 مليارات درهم، في إطار توجه يستهدف تقليص الفوارق المجالية وتوجيه الاستثمار نحو الحاجيات المباشرة للسكان.

وتفرض هذه الأرقام، في حال تجميع مختلف الأوراش والاستثمارات والبرامج المهيكلة التي ستتزامن مع الولاية الحكومية المقبلة، سؤالاً أكبر من مجرد حجم الاعتمادات المرصودة، يتعلق أساساً بقدرة الحكومة على تحويل هذه الأموال إلى مشاريع منتجة وفرص شغل وتحسين ملموس لمستوى الخدمات والبنيات الأساسية.

وتحمل السنوات المقبلة رهانات كبرى، من بينها استكمال مشاريع البنية التحتية المرتبطة بالاستعدادات لكأس العالم 2030، وتسريع مشاريع الماء وتحلية مياه البحر، وتطوير شبكات النقل والسكك الحديدية، وتعزيز الطاقات المتجددة، إلى جانب توسيع الاستثمارات في الصحة والتعليم والصناعة والرقمنة والتنمية الترابية.

وتكشف هذه الأوراش، عن انتقال تدريجي في طبيعة الاستثمار العمومي بالمغرب، من التركيز على البنيات الأساسية الكبرى إلى محاولة ربط الاستثمار بالنمو الاقتصادي وبخلق القيمة المضافة وتحسين جودة الحياة، وهو ما يجعل الولاية الحكومية المقبلة أمام مسؤولية تدبير كتلة مالية واستثمارية ضخمة في ظرف اقتصادي حساس.

من جهته، حذر صندوق النقد الدولي، في دراسة حديثة حول الاستثمار في البنية التحتية بالمغرب للفترة الممتدة بين 2024 و2030، من أن حجم الاستثمار وحده لا يكفي لضمان تحقيق النتائج المرجوة، مؤكداً أن رفع كفاءة الاستثمار العمومي يمكن أن يعزز النمو على المدى الطويل دون زيادة الدين، في حين يمكن لتجاوز تكاليف المشاريع أن يفاقم الضغوط على المالية العمومية، من دون تحقيق مكاسب اقتصادية مماثلة.

وتضع هذه الخلاصة الحكومة المقبلة أمام معادلة واضحة، كلما ارتفع حجم الأموال المرصودة للاستثمار، ارتفعت في المقابل الحاجة إلى الحكامة والشفافية والمراقبة الصارمة وربط الإنفاق بالنتائج، لأن ضخامة الميزانية لا تعني بالضرورة ضخامة الأثر الاقتصادي والاجتماعي.

وتحتاج المملكة، في هذا السياق، إلى الانتقال من منطق الإعلان عن المشاريع إلى قياس نتائجها الفعلية، عبر تحديد الكلفة الحقيقية لكل مشروع، وآجال الإنجاز، وعدد فرص الشغل التي يوفرها، والقيمة الاقتصادية التي ينتجها، ومدى استفادة المواطنين والمقاولات والمناطق المستهدفة من مردوديته.

وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في ظل اتساع حجم الأوراش العمومية وتعدد المتدخلين فيها، إذ سيكون من الضروري ضمان التنسيق بين الحكومة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية والمقاولات العمومية، حتى لا يؤدي تعدد البرامج إلى تكرار المشاريع أو تبديد الموارد أو تأخر الإنجاز.

وتشير التجربة الاقتصادية الدولية، إلى أن الاستثمار العمومي يمكن أن يشكل رافعة قوية للنمو عندما يوجه إلى البنيات ذات المردودية العالية، غير أن ضعف الكفاءة أو ارتفاع تكاليف المشاريع أو سوء الاختيار، يمكن أن يقلل بشكل كبير من العائد الاقتصادي لهذه الاستثمارات.

وتواجه الحكومة المقبلة، لذلك، اختباراً يتجاوز تدبير الميزانية السنوية، ليمتد إلى القدرة على إدارة مرحلة استثمارية طويلة المدى قد تعيد رسم الخريطة الاقتصادية والاجتماعية للمغرب خلال العقد المقبل.

وتفتح هذه المرحلة، من جهة أخرى، إمكانية تسريع التحول الاقتصادي للمملكة، خصوصاً إذا نجحت الاستثمارات العمومية في تحفيز الاستثمار الخاص، وتطوير الصناعة الوطنية، وخلق فرص عمل مستدامة، ورفع الإنتاجية، وربط مختلف مناطق البلاد بشبكات حديثة للنقل والماء والطاقة والاتصالات.

وتبقى الشفافية والنجاعة، العاملين الحاسمين في تحديد القيمة الحقيقية لهذه المرحلة، لأن ضخ مئات مليارات الدراهم في الاقتصاد لا يصبح إنجازاً في حد ذاته ما لم يتحول إلى مدارس ومستشفيات ومصانع وطرق وسكك حديدية ومشاريع مائية وطاقية وفرص شغل وتحسين فعلي لدخل الأسر.

وتقف الحكومة المقبلة، بذلك، أمام واحدة من أكبر المسؤوليات الاقتصادية في تاريخ المملكة الحديثة، ليس فقط إنفاق أموال ضخمة، وإنما إثبات أن كل درهم يوضع في الاستثمار العمومي قادر على إنتاج قيمة اقتصادية واجتماعية حقيقية.

وقد يكون المغرب، إذا اقترنت هذه الاستثمارات بالحكامة والشفافية والسرعة في الإنجاز والمراقبة وربط المسؤولية بالنتائج، أمام فرصة لتسريع بناء اقتصاد أكثر تنافسية وتقليص الفوارق المجالية وتحسين جودة الخدمات العمومية.

ويبقى الرهان الحقيقي، في نهاية المطاف، ليس في الوصول إلى رقم قياسي في حجم الاستثمار العمومي، وإنما في الإجابة عن سؤال أكثر أهمية: **هل ستنجح الحكومة المقبلة في تحويل هذه الإمكانات المالية الضخمة إلى مغرب أكثر إنتاجاً وعدالة وقدرة على خلق الثروة وفرص العمل؟

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك