أنتلجنسيا:أبو جاسر
أظهرت المؤشرات السياسية المتوفرة عشية انتخابات 23 شتنبر أن المشهد الحزبي المغربي دخل الساعات الأخيرة من الحملة الانتخابية على وقع إعادة ترتيب واضحة لموازين القوى، بعدما برز حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال كطرفين أساسيين في النقاش حول صدارة الاستحقاق، مقابل تراجع بريق التجمع الوطني للأحرار الذي قاد الحكومة خلال الولاية المنتهية، ومحاولة العدالة والتنمية استعادة موقع فقده بشكل حاد في انتخابات 2021.
وتشير تحليلات انتخابية حديثة إلى أن المنافسة ظلت مفتوحة بين الأحزاب الرئيسية، مع تسجيل دينامية لافتة للأصالة والمعاصرة خلال الأشهر الأخيرة.
كما أكدت المعطيات المتعلقة بخريطة الترشيحات أن الأصالة والمعاصرة والاستقلال كانا من بين أربعة أحزاب فقط غطت جميع الدوائر المحلية والجهوية، إلى جانب التقدم والاشتراكية والعدالة والتنمية، فيما غطى التجمع الوطني للأحرار جميع الدوائر المحلية وفق المعطيات المنشورة قبل الاقتراع، وهو ما يعكس اختلافاً في الانتشار التنظيمي والاستعداد الانتخابي بين القوى المتنافسة.
وشددت تحاليل انتخابية منشورة خلال الأيام الأخيرة، على أن الأصالة والمعاصرة عرف دينامية سياسية متقدمة خلال الفترة السابقة للانتخابات، من خلال تكثيف اللقاءات الجهوية وتجديد عدد من الترشيحات واستقطاب شخصيات ذات حضور ترابي، فيما دخل حزب الاستقلال بدوره السباق مستنداً إلى قاعدة انتخابية راكمها خلال الاستحقاقات السابقة وبرنامج يركز على القدرة الشرائية والسيادة الاقتصادية ومحاربة الفساد والريع والخدمات الاجتماعية.
وأبرزت المعطيات الانتخابية أن الاستقلال لا يدخل انتخابات 2026 من نقطة الصفر، إذ كان قد حقق في انتخابات 2021 قفزة مهمة، بعدما ارتفع رصيده من 46 مقعداً سنة 2016 إلى 81 مقعداً سنة 2021، كما ارتفع عدد أصواته من حوالي 620 ألفاً إلى قرابة 1.3 مليون صوت، وفق تحليل حديث لـ«ميديا24»، وهو ما جعل الحزب يحتفظ بموقع متقدم داخل الخريطة البرلمانية خلال الولاية المنتهية.
وفي سياق متصل، أوضح تحليل آخر أن الأصالة والمعاصرة كان الحزب الذي سجل خلال الأسابيع السابقة للانتخابات أكبر تحول في الدينامية السياسية، مستفيداً من توسيع حضوره التنظيمي واستقطاب مرشحين وشخصيات ذات وزن محلي، فيما عزز دخول فوزي لقجع إلى صفوف الحزب حضوره في النقاش الانتخابي، خصوصاً مع ارتباط اسمه بملفات الميزانية والتحضير لمونديال 2030.
من جهة أخرى، لفتت تقارير دولية إلى أن لقجع تحول إلى أحد الأسماء البارزة في المشهد السياسي المغربي قبيل الانتخابات، خصوصاً بعد دخوله الأصالة والمعاصرة، مع طرح اسمه في تحليلات إعلامية ضمن الشخصيات المرتبطة بالمرحلة الحكومية المقبلة، دون أن يعني ذلك حسم أي منصب حكومي قبل ظهور نتائج الاقتراع واستكمال المسار الدستوري.
وقالت معطيات الحملة إن الأصالة والمعاصرة حاول خلال الأيام الأخيرة تقديم نفسه عبر ملفات اجتماعية واقتصادية مباشرة، من بينها التشغيل والشباب والحماية الاجتماعية والتقاعد، فيما ركز الاستقلال على القدرة الشرائية والإنتاج الوطني والسيادة الاقتصادية والأسرة ومحاربة الفساد والريع، وهي ملفات تتقاطع بصورة مباشرة مع المطالب التي فرضت نفسها في النقاش العام خلال الولاية الحكومية المنتهية.
وأكدت المعطيات الاقتصادية أن التجمع الوطني للأحرار يدخل انتخابات 2026 وهو مطالب قبل أي شيء بالدفاع عن حصيلة حكومة ترأسها أمينه العام عزيز أخنوش، بعدما أصبحت ملفات التشغيل والقدرة الشرائية والخدمات العمومية في قلب النقاش الانتخابي، في وقت تشير فيه التقارير الدولية إلى استمرار البطالة المرتفعة، ولا سيما لدى الشباب، رغم تسجيل الاقتصاد المغربي معدلات نمو واستثمارات مهمة.
من جهتها، شددت تقارير اقتصادية على أن النمو وحده لم ينهِ الإشكالات الاجتماعية التي يواجهها المغرب، إذ أشار صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد سجل نمواً قوياً في 2025، لكنه أكد استمرار البطالة المرتفعة باعتبارها تحدياً رئيسياً، بينما وضعت تقارير انتخابية حديثة التشغيل والأجور والخدمات العمومية وتقليص الفوارق ضمن أبرز انتظارات الناخبين.
وأبرزت أرقام سوق الشغل أن البطالة وسط الشباب ما زالت من أكثر الملفات إحراجاً للنقاش السياسي، بعدما أشارت تقارير حديثة إلى معدلات مرتفعة لدى الفئة العمرية الشابة، وهو ما جعل وعود الأحزاب بخلق فرص العمل وتحسين الدخل محوراً مركزياً في الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية.
وردت الحكومة والحزب الذي يقودها بالتأكيد على أن الولاية المنتهية حققت نتائج في الصناعة والاستثمار والحماية الاجتماعية ومشاريع الدولة الاجتماعية، كما دافع أخنوش عن ارتفاع الصادرات الصناعية وعن المؤشرات الاقتصادية المسجلة خلال ولايته، غير أن النقاش الانتخابي أظهر أن هذه الأرقام تصطدم بسؤال آخر يتعلق بمدى انعكاس النمو والاستثمار على التشغيل والدخل والخدمات اليومية للمواطنين.
وأشارت المعطيات إلى أن هذه المفارقة تضع التجمع الوطني للأحرار أمام امتحان سياسي مباشر، باعتباره الحزب الذي ترأس الحكومة خلال الولاية المنتهية، إذ لم يعد بإمكانه فصل خطابه الانتخابي عن تقييم ما تحقق فعلياً في ملفات الاقتصاد والاجتماع والتشغيل، خصوصاً بعدما تحولت هذه الملفات إلى محور رئيسي في مطالب الناخبين وفي التحليلات التي سبقت الاقتراع.
وأكدت المقارنة السياسية أن العدالة والتنمية يواجه بدوره اختباراً مختلفاً، لأن الحزب الذي يقوده عبد الإله بنكيران يعود إلى الانتخابات بعد تجربة حكومية امتدت لولايتين، قبل أن يتلقى ضربة انتخابية قوية سنة 2021، حين تراجع من 125 مقعداً سنة 2016 إلى 13 مقعداً فقط، وهو ما يجعل عودته الحالية مرتبطة ليس فقط بانتقاد الحكومة الحالية، وإنما أيضاً بذاكرة الناخبين تجاه تجربته السابقة.
كما أوضح متابعون أن خطاب العدالة والتنمية في انتخابات 2026 يركز على انتقاد الحكومة والدفاع عن قضايا الخدمات والقدرة الشرائية والإصلاح السياسي، غير أن الحزب يجد نفسه مضطراً في الوقت نفسه إلى مواجهة أسئلة مرتبطة بولايتيه الحكوميتين السابقتين، وهي أسئلة لا يمكن تجاوزها بمجرد العودة إلى خطاب المعارضة أو تحميل الحكومة الحالية وحدها مسؤولية الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية.
ولفتت التحليلات إلى أن هذا الوضع يمنح المنافسة بين الأصالة والمعاصرة والاستقلال والتجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية طبيعة مختلفة، فالأحرار يخوضون الانتخابات دفاعاً عن حصيلة حكومية، والعدالة والتنمية يخوضها من موقع محاولة استعادة الثقة بعد انهيار انتخابي كبير، بينما يحاول الأصالة والمعاصرة والاستقلال تقديم نفسيهما كقوتين قادرتين على احتلال موقع متقدم في الخريطة السياسية المقبلة.
وقالت المؤشرات المنشورة خلال الأيام الأخيرة إن الحديث عن المنافسة على الصدارة لم يعد محصوراً في حزب واحد، بعدما أصبحت تحليلات متعددة تتناول إعادة تشكل ميزان القوى بين الأصالة والمعاصرة والاستقلال والتجمع الوطني للأحرار، مع اختلاف التقديرات بشأن الترتيب النهائي الذي لن يحسمه سوى الاقتراع الفعلي وإعلان النتائج الرسمية.
وشددت القراءة السياسية للمرحلة على أن قوة الأصالة والمعاصرة والاستقلال في الساعات الأخيرة لا يمكن اختزالها في الخطاب الانتخابي، بل ترتبط أيضاً بالانتشار التنظيمي، وحجم الترشيحات، والحضور الترابي، وطبيعة البرامج المقدمة، فضلاً عن قدرة كل حزب على استقطاب شخصيات ووجوه انتخابية قادرة على المنافسة محلياً، وهي عناصر جعلت الحزبين حاضرين بقوة في النقاش حول شكل الخريطة البرلمانية المقبلة.
وأفادت تحليلات اقتصادية بأن البرامج الانتخابية للأحزاب الرئيسية تتقاطع في ملفات التشغيل والقدرة الشرائية والاستثمار والخدمات، لكنها تختلف في حجم الالتزامات وطريقة تنزيلها، حيث يقدم الأصالة والمعاصرة برنامجاً يتضمن 20 التزاماً ضمن خمسة مواثيق، بينما يقدم الاستقلال 99 إجراءً ضمن خمسة التزامات كبرى، في حين يركز التجمع الوطني للأحرار على مجموعة أكثر اختصاراً من التعهدات.
كما أكدت المعطيات أن الساعات الأخيرة من الحملة لا تسمح بحسم النتيجة مسبقاً، لكنها تكشف بوضوح أن انتخابات 23 شتنبر تجري في سياق مختلف عن 2021، وأن الأحزاب تدخلها وهي تحمل حصائل وتجارب وبرامج متفاوتة، فيما أصبح السؤال الأساسي بالنسبة إلى الناخبين مرتبطاً بمن يستطيع الانتقال من الوعود إلى التنفيذ في مرحلة تتزامن مع أوراش كبرى مرتبطة بالاقتصاد والبنية التحتية والاستعداد لمونديال 2030.
وأوضحت المؤشرات أن الأصالة والمعاصرة والاستقلال يملكان عناصر قوة انتخابية وسياسية واضحة في هذه اللحظة، في حين يواجه التجمع الوطني للأحرار عبء الدفاع عن تجربة حكومية كاملة، ويواجه العدالة والتنمية عبء استعادة ثقة فقدها بقوة في 2021، لتتحول بذلك انتخابات الأربعاء إلى اختبار حقيقي ليس فقط للبرامج، وإنما أيضاً لذاكرة الناخبين تجاه من حكم، ومن شارك في الحكم، ومن يطلب اليوم فرصة جديدة لقيادة المرحلة المقبلة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك