أنتلجنسيا:إدارة النشر
رغم أن المغاربة يحتفلون كل سنة بذكرى استرجاع إقليم وادي الذهب باعتبارها محطة وطنية بارزة في مسار استكمال الوحدة الترابية، فإن هذه المناسبة تكشف في الوقت نفسه عن وجود فجوات معرفية عميقة في الوعي التاريخي الجماعي، تجعل أجيالاً كاملة تحفظ التواريخ والشعارات دون أن تمتلك فهماً دقيقاً لخلفيات الأحداث وتعقيداتها السياسية والجيوستراتيجية.
ففي الوقت الذي ترسخت فيه داخل الذاكرة الوطنية صورة مفادها أن المغرب استعاد صحراءه سنة 1975 بفضل المسيرة الخضراء، وأن الوجود الاستعماري الإسباني انتهى بعد ذلك بوقت قصير، يبرز سؤال مشروع يطرحه العديد من المهتمين بالتاريخ: إذا كانت الصحراء قد عادت إلى السيادة المغربية سنة 1975، فلماذا يحتفل المغرب في 14 غشت من كل سنة بذكرى استرجاع وادي الذهب سنة 1979؟
هذا السؤال لا يتعلق فقط بالتواريخ، بل يكشف عن تعقيدات تاريخية وسياسية لا تحضر بالشكل الكافي في المناهج التعليمية ولا في الخطاب العمومي. فالمسيرة الخضراء فتحت بالفعل مرحلة استرجاع الأقاليم الجنوبية، غير أن المسار لم يكن قد اكتمل آنذاك بالشكل الذي يتصوره كثيرون اليوم.
فبعد اتفاق مدريد سنة 1975، انسحبت إسبانيا من الصحراء، لكن الإدارة الميدانية لم تشمل جميع المناطق بالطريقة نفسها، حيث خضعت أجزاء من الإقليم لترتيبات سياسية وعسكرية مختلفة في سياق إقليمي معقد كانت تتداخل فيه حسابات المغرب وموريتانيا وجبهة البوليساريو، إضافة إلى رهانات الحرب الباردة والصراعات الجيوسياسية التي كانت تعيشها المنطقة آنذاك.
ومن هنا تبرز خصوصية وادي الذهب، الذي لم يعد إلى السيادة المغربية إلا سنة 1979 بعد انسحاب موريتانيا من الجزء الذي كانت تديره بموجب اتفاقيات سابقة. لذلك ارتبط هذا التاريخ بمحطة استكمال السيطرة المغربية على الإقليم، وهو ما يفسر استمرار تخليد هذه الذكرى باعتبارها حدثاً مستقلاً داخل مسلسل استرجاع الأقاليم الجنوبية.
غير أن الإشكال الأعمق لا يكمن في الوقائع التاريخية نفسها، بل في ضعف تداولها داخل الفضاء العمومي. فالكثير من المغاربة يعرفون تاريخ المسيرة الخضراء، لكنهم لا يعرفون تفاصيل ما جرى بين 1975 و1979، ولا يفهمون السياقات التي جعلت استكمال الوحدة الترابية يتم على مراحل وليس دفعة واحدة.
ويثير هذا الواقع سؤالاً آخر لا يقل أهمية: لماذا يستعمل الخطاب الرسمي في بعض المحطات مصطلح "الاسترجاع" بينما يستعمل في محطات أخرى مفهوم "التحرير"؟ وهل يتعلق الأمر باختلاف في الدلالات القانونية والسياسية أم بمجرد تنوع في التعبير؟
في الحقيقة، تحمل المصطلحات في القضايا الوطنية أبعاداً تتجاوز الجانب اللغوي، إذ يرتبط مفهوم "التحرير" عادة بإزالة احتلال أو استعمار مباشر، بينما يحيل "الاسترجاع" إلى استعادة إقليم يعتبر جزءاً من السيادة التاريخية للدولة. ولذلك ظل النقاش حول المفاهيم جزءاً من السجال الأكاديمي والسياسي المرتبط بتاريخ المغرب الحديث.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمم ليس فقط تزوير التاريخ، بل أيضاً اختزاله وتبسيطه إلى درجة تفقد الأجيال القدرة على فهمه واستيعاب دروسه. فالمواطن الذي لا يعرف تفاصيل ماضيه يظل عاجزاً عن قراءة حاضره وفهم رهانات مستقبله.
ولعل ذكرى استرجاع وادي الذهب لا تطرح فقط سؤالاً حول حدث وقع سنة 1979، بل تفتح الباب أمام مراجعة أوسع لطريقة تدريس التاريخ الوطني وتقديمه للأجيال الجديدة، لأن بناء الوعي الوطني لا يتحقق بحفظ التواريخ والشعارات وحدها، وإنما بفهم الوقائع والسياقات والأسئلة الكبرى التي صنعت مسار الدولة المغربية عبر العقود.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك