أنتلجنسيا:أبو جاسر
دخلت أزمة سبتة المحتلة منعطفاً جديداً بعدما فجّر تنظيم "اليمين القومي المغربي" مواقف حادة وغير مسبوقة تجاه وزيرة الدفاع الإسبانية، متهماً إياها بتأجيج التوتر ومحاولة تحويل ملف الهجرة إلى مواجهة سياسية وسيادية بين الرباط ومدريد، في وقت تسعى فيه قنوات رسمية من الجانبين إلى احتواء الأزمة ومنع انزلاقها نحو مستويات أكثر تعقيداً.
وفي بيان شديد اللهجة حمل الرقم 7، اعتبر التنظيم أن التصريحات الصادرة عن المسؤولة الإسبانية من داخل مدينة سبتة المحتلة تعكس، بحسب تعبيره، استمرار ذهنية استعمارية لم تتخلص منها بعض الأوساط السياسية في إسبانيا، متهماً الوزيرة باعتماد خطاب تصعيدي لا يخدم المصالح المشتركة بين البلدين ولا ينسجم مع طبيعة التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط.
وربط البيان بين التصعيد الإسباني والتطورات الجيوسياسية المتسارعة التي تعرفها المنطقة، معتبراً أن المغرب أصبح فاعلاً استراتيجياً أساسياً في معادلات الأمن الإقليمي والتعاون الأطلسي، وهو ما يمنحه، وفق أصحاب البيان، موقعاً متقدماً في ملفات حيوية مرتبطة بالمضائق البحرية والطاقة والمعادن الاستراتيجية وترسيم الحدود البحرية.
وذهب التنظيم أبعد من ذلك عندما تحدث عن وجود ما وصفه بـ"خلفيات سياسية خفية" وراء التوتر الحالي، ملوحاً بفرضية وجود أدوار غير مباشرة لبعض الجهات الإسبانية في إذكاء أزمة الهجرة الأخيرة التي شهدتها سبتة، مستنداً إلى معطيات وتأويلات يعتبرها دليلاً على وجود تقاطعات بين بعض القرارات القضائية والتحركات التي رافقت موجات الهجرة نحو المدينة المحتلة.
واعتبر البيان أن ما جرى في سبتة لا يمكن اختزاله في مجرد أزمة هجرة عابرة، بل يندرج ضمن ما سماه "الحروب الهجينة" التي أصبحت تعتمد على التأثير الرقمي والتوجيه النفسي واستغلال الأوضاع الاجتماعية والهشاشة الاقتصادية من أجل خلق حالات من الفوضى والضغط السياسي، داعياً إلى تعزيز الوعي الوطني والتصدي لمحاولات التأثير على الشباب عبر الفضاء الرقمي.
كما وجه التنظيم رسائل مباشرة إلى السلطات الإسبانية، مؤكداً تمسكه بالموقف القائل إن سبتة ومليلية أراضٍ مغربية محتلة، ومعتبراً أن مستقبل هذا الملف سيظل مطروحاً ضمن أجندة الصراع السياسي والتاريخي بين البلدين مهما حاولت مدريد فرض الأمر الواقع.
ويأتي هذا التصعيد الخطابي في ظرفية دقيقة تشهد فيها العلاقات المغربية الإسبانية اختباراً جديداً بسبب تداعيات أزمة الهجرة، التي تحولت خلال الأيام الأخيرة إلى مادة سجال سياسي وإعلامي واسع داخل إسبانيا نفسها، حيث تتعرض حكومة مدريد لضغوط متزايدة من المعارضة اليمينية التي تتهمها بالعجز عن ضبط الحدود ومواجهة تدفقات الهجرة غير النظامية.
ويرى متابعون أن مثل هذه البيانات تعكس حجم التوتر الذي خلفته أحداث سبتة داخل الرأي العام المغربي، لكنها في الوقت نفسه تكشف أن الأزمة تجاوزت بعدها الأمني والإنساني لتلامس ملفات أكثر حساسية ترتبط بالسيادة والذاكرة التاريخية والتوازنات الجيوسياسية في غرب المتوسط.
وبينما تواصل الرباط ومدريد التنسيق الأمني والسياسي لمحاصرة تداعيات الأزمة، يبدو أن النقاش حول سبتة ومليلية عاد بقوة إلى الواجهة، مدفوعاً بتصريحات رسمية متبادلة ومواقف سياسية متشددة، ما ينذر باستمرار الجدل حول الملف خلال المرحلة المقبلة، حتى وإن نجحت الحكومتان في احتواء الجانب العملي من أزمة الهجرة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك