أنتلجنسيا المغرب:عبدالعزيز . م
لم يعد التحول الديموغرافي في المغرب مجرد
أرقام صادرة عن مؤسسات الإحصاء، بل أصبح واقعاً اجتماعياً يثير القلق مع تراجع
معدلات الإنجاب وتزايد عزوف الشباب عن الزواج وتكوين الأسر، في وقت تتسع فيه
الفجوة بين تطلعات الأجيال الجديدة والفرص المتاحة أمامها داخل البلاد، وهو ما يضع
المغرب أمام تحول قد يعيد رسم تركيبته السكانية خلال العقود المقبلة، ويجعل مستقبل
الشباب والولادات وسوق العمل من أكثر الملفات الاجتماعية حساسية.
وفي الجهة الأخرى تتصاعد ظاهرة الهجرة بشكل
لافت، حيث أصبح عدد متزايد من الشباب ينظر إلى أوروبا باعتبارها فضاءً أفضل للعمل
والاستقرار وبناء المستقبل، بينما تكشف محاولات العبور المتكررة عن حجم الإحباط
الذي يدفع بعض الشباب إلى المخاطرة من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى، ولا تتوقف
الظاهرة عند فئة محددة بل تشمل فئات عمرية وتعليمية مختلفة، الأمر الذي يحول
الهجرة من خيار فردي إلى ظاهرة اجتماعية وديموغرافية متنامية.
وتكمن المفارقة في أن المغرب يخسر جزءاً من
الفئة التي يحتاج إليها أكثر من غيرها، فالشاب الذي يغادر البلاد هو في الغالب في
سن العمل والإنتاج وتكوين الأسرة، وبالتالي فإن استمرار هذا النزيف البشري يعني
فقدان جزء من الطاقات التي كان يمكن أن تساهم في الاقتصاد الوطني وتكوين أسر
وإنجاب أطفال داخل المغرب، بينما تستفيد الدول الأوروبية المستقبلة من قوة بشرية
شابة تساعدها على مواجهة الشيخوخة السكانية ونقص اليد العاملة، لتصبح الهجرة بذلك
عاملاً يضاعف التحول الديموغرافي المغربي.
وبين انخفاض عدد المواليد وتسارع هجرة الشباب
يجد المغرب نفسه أمام سؤال استراتيجي يتجاوز حدود الاقتصاد والهجرة ليصل إلى
مستقبل المجتمع نفسه، إذ إن استمرار هذه الاتجاهات قد يؤدي تدريجياً إلى تقلص
قاعدة الشباب وارتفاع وزن الفئات المسنة وتراجع القدرة على تجديد الأجيال، وهو ما
يجعل معالجة أسباب الهجرة وتحسين فرص العمل والسكن ودعم الأسرة وتشجيع الشباب على
الاستقرار وتكوين الأسر تحدياً وطنياً عاجلاً وليس مجرد ملف اجتماعي عابر.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك