أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا
في مشهد اختصر مأساة إنسانية كاملة، ظهر شاب
مغربي يحمل أمه على ظهره ويشق بها أمواج البحر، حاملاً معه القليل من المتاع في
رحلة محفوفة بالموت والمجهول، ولم تكن الصورة مجرد لقطة عابرة من مشاهد الهجرة
الجماعية نحو سبتة، بل بدت كأنها لوحة إنسانية نادرة تتحدث إلى العالم بلغة لا
تحتاج إلى ترجمة، لغة الأم التي تتكئ على ابنها، والابن الذي يحمل أمه كما لو أنه
يحمل آخر ما تبقى له من معنى في هذه الحياة.
وفي تلك اللحظة تحديداً تراجع البحر إلى
الخلف وبقي الإنسان في الواجهة، وبقي سؤال مؤلم يفرض نفسه بقوة، كيف يمكن لشاب أن
يرى في المجهول والمخاطر والأمواج احتمالاً أرحم من البقاء في وطنه الأم، المغرب.
الصورة في بعدها الأول ليست صورة هجرة فقط،
إنها صورة للبر بالوالدين في أقسى الظروف، فالشاب لم يترك أمه خلفه ولم يقل إن
الطريق صعب عليها أو إن جسدها لا يحتمل المغامرة، بل حملها فوق ظهره وقرر أن يواجه
بها المجهول، وهذا المشهد يستحق أن يتحول إلى رمز تربوي وإنساني يتجاوز حدود
السياسة والحدود والجغرافيا، لأن بر الوالدين الذي تتحدث عنه الكتب والمواعظ ظهر
هنا في أكثر أشكاله قسوة وصدقاً، ولهذا يمكن تخيل هذه الصورة حاضرة في المدارس
والكتب والمقررات والفضاءات العامة، لا باعتبارها تمجيداً للهجرة أو للمغامرة
الخطرة، وإنما باعتبارها درساً في الرحمة والمسؤولية والتضحية بين الابن وأمه.
لكن الوجه الآخر للصورة أكثر إيلاماً.
لأن الشاب الذي يحمل أمه لا يحملها فقط بعيداً
عن الخطر، بل يحمل معها أيضاً أسئلة الوطن والعدالة والكرامة والفرص، وهنا تتحول
الصورة من قصة فردية إلى مرآة لمجتمع يعاني فيه جزء من الشباب من الإحساس
بالانسداد وفقدان الأفق، ولا يجوز بالطبع اختزال كل دوافع الهجرة في السياسة أو
تحميل طرف واحد مسؤولية كل ما يحدث، لكن من الصعب أيضاً تجاهل البطالة والفوارق
الاجتماعية وضعف بعض الخدمات وتراجع الثقة في المستقبل عندما يدفع اليأس بعض
الشباب إلى التفكير في البحر بوصفه باباً للخلاص.
المأساة الحقيقية ليست فقط أن شاباً أراد
الرحيل، وإنما أن وطنه لم ينجح دائماً في إقناعه بأن مستقبله يمكن أن يكون أفضل
داخله.
ولهذا فإن فكرة وضع تمثال لهذا الشاب وهو
يحمل أمه وسط قبة البرلمان يمكن أن تحمل معنى رمزياً قوياً، ليس كتمثال لإدانة
السياسيين أو لإهانة مؤسسة بعينها، وإنما كمرآة دائمة تذكر من يدخل إلى المكان
الذي تصنع فيه القوانين والسياسات بأن وراء كل رقم في تقارير البطالة أسرة.
ووراء كل مؤشر اقتصادي شاباً يبحث عن فرصة.
ووراء كل حديث عن التنمية إنساناً يريد
مستشفى جيداً ومدرسة محترمة وعملاً يحفظ كرامته، فالبلدان لا تبنى بالإسمنت والطرق
والجسور وحدها، وإنما تبنى قبل ذلك بالإنسان، ببناء الطفل الذي يتلقى تعليماً
جيداً، والشاب الذي يجد فرصة عادلة، والرجل والمرأة اللذين يشعران بأن القانون
يحميهما وأن الدولة تسمعهما وتحترم كرامتهما.
والدرس الأعمق الذي تتركه هذه الصورة هو أن
بناء الوطن يبدأ من منع الإنسان من الوصول إلى اللحظة التي يصبح فيها الخطر أقل
رعباً من اليأس، ومن الخطأ أن ننظر إلى من يخاطر بحياته في البحر باعتباره مجرد
مخالف للقانون أو رقماً في إحصاءات الهجرة، كما أنه من الخطأ أيضاً تحويل الهجرة
الخطرة إلى بطولة أو تقديمها باعتبارها الطريق الطبيعي للخلاص.
فبين
هذين الموقفين توجد مسؤولية أكبر تتمثل في بناء مجتمع يمنح أبناءه سبباً حقيقياً
للبقاء، وإذا كان من حق السياسي أن يدافع عن إنجازاته ومشاريعه فمن حق المواطن
أيضاً أن يسأل عن نصيبه من تلك التنمية وعن موقع الكرامة والعدالة والفرصة داخلها.
وربما يكون الشاب الذي حمل أمه فوق ظهره قد
ترك لنا من دون قصد واحداً من أقسى الأسئلة التي ينبغي أن يظل حاضراً أمام كل
مسؤول، ماذا فعلنا حتى أصبح البحر في نظر بعض أبنائنا أرحم من الوطن.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك