أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)
تدخل الساحة السياسية المغربية منعطفًا حاسمًا مع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026، في سياق يتسم بارتفاع منسوب التوتر الاجتماعي، واستمرار الجدل حول القدرة الشرائية، وتزايد النقاش بشأن الحصيلة الحكومية.
ما يجعل الاستحقاق المقبل أكثر من مجرد منافسة انتخابية عادية، بل اختبارًا حقيقيًا لثقة المغاربة في الأحزاب والمؤسسات السياسية، ورسمًا لملامح المرحلة المقبلة في المملكة.
وتتجه الأنظار إلى صناديق الاقتراع باعتبارها الحكم الفاصل بين خطاب الأغلبية الذي يدافع عن حصيلته الحكومية، وخطاب المعارضة الذي يراهن على استثمار حالة التذمر الشعبي المتنامية.
وفي ظل تعقيد المشهد الحزبي وتشتت الخريطة الانتخابية، تبرز ثلاثة سيناريوهات رئيسية تبدو الأكثر تداولًا في الأوساط السياسية والمتابعة للشأن العام.
السيناريو الأول:التصويت العقابي وعودة "البيجيدي"
يراهن هذا السيناريو على فرضية حدوث تصويت عقابي واسع ضد أحزاب الأغلبية الحالية، خاصة إذا استمرت الملفات المرتبطة بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وإثارة قضايا تضارب المصالح في واجهة النقاش العمومي.
وفي هذا السياق، قد يجد حزب العدالة والتنمية فرصة لاستعادة جزء مهم من موقعه السياسي، مستفيدًا من خبرته التنظيمية وقاعدته الانتخابية التي لم تختفِ بالكامل رغم الهزيمة القاسية التي تعرض لها في انتخابات 2021.
ويعتبر أنصار هذا الطرح أن الحزب نجح خلال السنوات الأخيرة في إعادة بناء حضوره السياسي والإعلامي، كما استفاد من تموقعه في المعارضة لمهاجمة الحكومة في ملفات حساسة تمس الحياة اليومية للمواطنين.
غير أن نجاح هذا السيناريو يبقى مرتبطًا بمدى قدرة الحزب على استعادة ثقة الناخبين الذين حملوه بدورهم مسؤولية جزء من الاختلالات التي عرفتها المرحلة السابقة.
السيناريو الثاني:استمرار هيمنة "الأحرار"
في المقابل، يستند السيناريو الثاني إلى فرضية محافظة حزب التجمع الوطني للأحرار على موقعه المتقدم، مستفيدًا من شبكة واسعة من المنتخبين المحليين والأعيان والفاعلين الاقتصاديين، إضافة إلى الإمكانيات التنظيمية واللوجستيكية التي راكمها خلال السنوات الأخيرة.
ويرى المدافعون عن هذا التصور أن نتائج الانتخابات لا تحسمها فقط المؤشرات الاقتصادية أو المزاج الاحتجاجي، بل تتحكم فيها أيضًا البنية الانتخابية المحلية والقدرة على التعبئة الميدانية، وهي عناصر ما زالت تمنح الحزب أفضلية واضحة في عدد من الجهات والأقاليم.
كما أن الأغلبية الحكومية تراهن على مجموعة من المشاريع الاجتماعية والاستثمارات الكبرى وبرامج الدعم المباشر لتخفيف حدة الانتقادات الموجهة إليها قبل موعد الاقتراع.
السيناريو الثالث:التناوب من داخل الاستمرارية
يبقى السيناريو الثالث، وفق عدد من التقديرات السياسية، الأكثر واقعية وقابلية للتحقق، ويقوم على استمرار التحالف الحكومي الحالي مع إعادة توزيع الأدوار داخله.
وبموجب هذا الاحتمال، قد يحتفظ التحالف الثلاثي المكون من التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال بأغلبيته البرلمانية، لكن مع انتقال رئاسة الحكومة إلى أحد الحليفين الآخرين، سواء حزب الاستقلال أو حزب الأصالة والمعاصرة.
ويهدف هذا الخيار إلى امتصاص حالة التذمر الشعبي دون إحداث قطيعة كاملة مع التوازنات السياسية الحالية، عبر تقديم وجه حكومي جديد مع الحفاظ على جوهر التحالف القائم.
كما قد يتم توسيع الأغلبية بإدماج حزب أو حزبين من المعارضة الحالية، مثل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أو الحركة الشعبية، لتأمين أغلبية أكثر راحة داخل البرلمان وتجاوز الإكراهات التي فرضها القاسم الانتخابي الجديد.
السيناريو الرابع: صعود “البام” وحسم مبكر للمشهد؟
يبرز سيناريو رابع بدأ يفرض نفسه بقوة في الكواليس السياسية، ويتمثل في إمكانية تصدر حزب الأصالة والمعاصرة لانتخابات 23 شتنبر 2026، مستفيدا من التحولات التنظيمية الأخيرة التي شهدها الحزب، وفي مقدمتها التحاق فوزي لقجع بمكتبه السياسي، إلى جانب استقطاب عدد من الأعيان والمنتخبين والوجوه النافذة بمختلف الجهات.
ويرى متتبعون أن هذه الدينامية الجديدة منحت الحزب زخما انتخابيا غير مسبوق، وأعادت رسم موازين القوة داخل الأغلبية الحالية. وتذهب بعض القراءات السياسية إلى اعتبار هذه التطورات مؤشرا على أن “البام” بات يحظى بموقع متقدم في معادلة تدبير المرحلة المقبلة، بينما يذهب آخرون إلى أبعد من ذلك بالحديث عن رسائل سياسية توحي بأن الحزب قد يكون المرشح الأوفر حظا لقيادة الحكومة المقبلة.
غير أن هذا السيناريو، رغم ما يحيط به من مؤشرات ومعطيات، يبقى رهينا بمدى قدرة الحزب على تحويل قوته التنظيمية وتوسع شبكاته الانتخابية إلى أصوات فعلية يوم الاقتراع، في انتخابات ينتظر أن تكون من أكثر المحطات السياسية حساسية وإثارة في تاريخ المغرب الحديث.
معركة الثقة قبل معركة المقاعد
بعيدًا عن الحسابات الرقمية والتحالفات الحزبية، تبدو المعضلة الحقيقية أمام جميع الفاعلين السياسيين مرتبطة باستعادة ثقة المواطنين في العملية الانتخابية نفسها.
فمعدلات العزوف المرتفعة، واتساع دائرة التشكيك في جدوى العمل السياسي، وتنامي الشعور بأن نتائج الانتخابات لا تنعكس بشكل مباشر على الأوضاع المعيشية، كلها عوامل تجعل استحقاقات 2026 محطة استثنائية تختلف عن سابقاتها.
ولهذا فإن الرهان الأكبر لن يكون فقط من سيفوز بالمركز الأول أو من سيقود الحكومة المقبلة، بل من سيتمكن من إقناع المغاربة بأن أصواتهم ما تزال قادرة على إحداث الفرق في مستقبل البلاد.
الانتخابات التي قد تعيد رسم الخريطة
المؤكد أن انتخابات 2026 لن تكون مجرد موعد دستوري عادي، بل محطة سياسية مفصلية ستحدد اتجاهات المشهد الحزبي لسنوات مقبلة.
فإما أن تشهد البلاد عودة قوية للمعارضة عبر بوابة التصويت العقابي، أو تستمر الأغلبية الحالية في قيادة المشهد، أو يتم اللجوء إلى صيغة وسطية عنوانها "التغيير داخل الاستمرارية".
وبين هذه السيناريوهات الأربعة، يبقى القرار النهائي بيد الناخب المغربي، الذي سيكون أمام فرصة جديدة لإعادة ترتيب الأوراق وتحديد ملامح المغرب السياسي في المرحلة المقبلة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك