أنتلجنسيا:أبو جاسر
فجّر الحكم الصادر في حق معتقل الرأي حسن الداودي، والقاضي بخمسة أشهر حبسا نافذا، عاصفة من التساؤلات الثقيلة حول مسار العدالة وحدود حرية التعبير، بعدما اعتبر متابعون أن الأمر لا يتعلق بجريمة، بل بمجرد رأي عبّر عنه صاحبه بخصوص الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ودعوة سلمية للاحتجاج.
القضية، التي تحولت إلى رمز لصراع متصاعد بين الدولة ونشطاء الرأي، تضع المؤسسات الرسمية في مواجهة اتهامات مباشرة بتضييق الخناق على حرية التعبير، حيث يرى منتقدون أن متابعة الداودي لم تكن سوى حلقة جديدة في سلسلة اعتقالات تستهدف أصواتا منتقدة، في سياق يوصف بأنه يشهد “تشددًا متزايدًا” تجاه كل من يخرج عن الخطاب الرسمي.
فالحكم، الذي وُصف بالقاسي، يطرح إشكاليات قانونية عميقة، أبرزها توسيع دائرة التأويل في قضايا التعبير، إذ تم اعتبار تدوينة تنتقد الوضع العام وتدعو للاحتجاج السلمي بمثابة تحريض على أفعال إجرامية عبر وسائل إلكترونية، وهو ما اعتبره حقوقيون منزلقًا خطيرًا قد يفتح الباب أمام تجريم الآراء بدل الأفعال.
هيئة الدفاع، التي خاضت معركة قانونية شرسة، شددت على أن الملف يفتقر للأساس الجنائي، مؤكدة أن ما صدر عن المتهم يدخل في صلب حرية الرأي المكفولة دستورياً، وأن الاعتقال في حد ذاته يطرح شبهة التعسف، ويتناقض مع التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان، غير أن المحكمة اختارت اتجاهاً مغايراً، ما زاد من حدة الانتقادات.
أمام المحكمة الابتدائية بتمارة، تجمّع متضامنون في وقفة احتجاجية عبّروا خلالها عن رفضهم لما وصفوه بـ”تغوّل المقاربة الأمنية”، معتبرين أن الدولة ماضية في نهج تصعيدي يهدف إلى ردع الأصوات المنتقدة، بدل فتح نقاش عمومي مسؤول حول الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي تؤرق شريحة واسعة من المواطنين.
القضية لم تعد معزولة، بل تُقرأ ضمن سياق أوسع يتحدث عن تنامي ما يعتبره نشطاء “سعاراً رسمياً” ضد حرية التعبير، حيث يتم، بحسبهم، اللجوء إلى المتابعات القضائية كآلية لضبط الفضاء الرقمي وتقييد النقاش العمومي، في وقت يفترض فيه أن يشكل هذا الفضاء متنفساً ديمقراطياً للنقاش الحر.
وبين من يرى في الحكم تطبيقاً للقانون، ومن يعتبره دليلاً على تراجع هامش الحريات، يظل المؤكد أن ملف حسن الداودي أضاف رقماً جديداً إلى قائمة مثيرة للجدل لما يُعرف بمعتقلي الرأي، فاتحاً الباب مجدداً أمام أسئلة محرجة حول مستقبل حرية التعبير، وحدود النقد المسموح به في مغرب يتأرجح بين الالتزامات الحقوقية والواقع الميداني المتوتر.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك