أنتلجنسيا:أبو فراس
في رسالة قوية تحمل أبعاداً اقتصادية وسياسية واستراتيجية، أكد والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري أن المملكة تواجه مرحلة دقيقة تتطلب تعبئة شاملة لكل القوى والمؤسسات لضمان استدامة المكتسبات التي حققها الاقتصاد الوطني، في ظل عالم يعيش على وقع أزمات متلاحقة وتغيرات عميقة تهدد استقرار الأسواق وسلاسل التوريد والنمو الاقتصادي.
وشدد الجواهري، ضمن التقرير السنوي لبنك المغرب برسم سنة 2025، على أن فترات الاستحقاقات الانتخابية غالباً ما تكون مصحوبة بحالة من الترقب واللايقين، غير أن المغرب يتوفر على عنصر قوة أساسي يتمثل في المؤسسة الملكية، التي تضمن استمرارية العمل العمومي وتؤمن استقرار الدولة ومواصلة تنفيذ الأوراش الكبرى مهما كانت التحولات السياسية والظروف المحيطة.
وأوضح أن الاقتصاد المغربي تمكن خلال السنوات الأخيرة من الصمود أمام سلسلة من التحديات المعقدة، رغم توالي سنوات الجفاف واشتداد الأزمات الدولية، مبرزاً أن المملكة نجحت في الحفاظ على توازناتها الاقتصادية وتعزيز مؤشرات الأداء في ظرفية عالمية استثنائية تتسم بتصاعد التوترات الجيوسياسية واشتداد السياسات الحمائية وتزايد تأثيرات التغير المناخي والثورة التكنولوجية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
واعتبر والي بنك المغرب أن التحدي الحقيقي لم يعد يقتصر على تحقيق النمو فقط، بل أصبح مرتبطاً بضرورة الحفاظ على المكتسبات وتسريع وتيرة الإصلاحات وضمان توزيع أكثر عدالة لثمار التنمية، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تتطلب مواصلة الإصلاحات الهيكلية ومراقبة تنفيذها بشكل دائم لضمان فعاليتها ونجاعتها.
وفي تحذير لافت، نبه الجواهري إلى أن التغير المناخي بات يشكل ضغطاً متزايداً على الموارد العمومية، مؤكداً أن الإجهاد المائي لم يعد ظرفية عابرة بل أصبح معطى بنيوياً يفرض نفسه بقوة على السياسات العمومية. ورغم التحسن النسبي الذي عرفته التساقطات هذه السنة، شدد على ضرورة استغلال هذه الفرصة لتسريع المشاريع الكبرى الرامية إلى تأمين الأمن المائي للمملكة.
كما دعا إلى جعل حكامة الموارد المائية ضمن أولويات الدولة، خاصة ما يتعلق بتثمين هذه الثروة الحيوية ووضع آليات تدبير أكثر فعالية تضمن استدامتها وتحافظ على التوازن بين المتطلبات الاقتصادية والاجتماعية.
ولم يخف الجواهري قلقه من الاضطرابات المتكررة التي تعرفها سلاسل الإمداد العالمية، معتبراً أن قضية السيادة على المواد الأساسية أصبحت مسألة استراتيجية لا تحتمل التأجيل. وفي هذا السياق، أعاد التذكير بالدعوة الملكية التي أطلقت قبل سنوات لإحداث منظومة وطنية متكاملة للمخزون الاستراتيجي، مؤكداً أن الوقت حان للانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة الوقاية والاستباق.
وعلى مستوى الطاقة، أبرز والي بنك المغرب أن الأزمات الدولية الأخيرة، سواء المرتبطة بالحرب في أوكرانيا أو التوترات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، كشفت حجم المخاطر المرتبطة بالاعتماد على الخارج في مجال الطاقة، ما يجعل تسريع الانتقال الطاقي خياراً استراتيجياً لا غنى عنه لتقوية السيادة الاقتصادية للمملكة وتعزيز تنافسية صناعاتها في مواجهة المعايير البيئية الصارمة التي يفرضها الشركاء التجاريون.
وتعكس رسائل الجواهري، الواردة في تقرير البنك المركزي، قناعة متزايدة بأن المغرب يقف أمام مفترق طرق حاسم، حيث تتقاطع رهانات الانتخابات مع تحديات الماء والطاقة والأمن الغذائي والإصلاح الاقتصادي، في وقت يراهن فيه على استقرار مؤسساته وقدرتها على مواصلة مسار التنمية وسط عالم يزداد اضطراباً يوماً بعد يوم.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك