عاشوراء بين الموروث الشعبي والتأويلات الخاطئة وجدل يتجدد كل عام حول الحلال والحرام

عاشوراء بين الموروث الشعبي والتأويلات الخاطئة وجدل يتجدد كل عام حول الحلال والحرام
ديكريبتاج / الجمعة 26 يونيو 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب:فهد الباهي/م.إيطاليا

يحل يوم العاشر من محرم من كل سنة حاملاً معه الكثير من المظاهر والعادات التي تختلف من مجتمع إلى آخر، حيث يمتزج الديني بالشعبي في مشهد يثير نقاشاً واسعاً حول حقيقة ما يرتبط بهذا اليوم من معتقدات وممارسات. وبينما ينظر إليه المسلمون باعتباره يوماً له مكانة دينية معروفة في التراث الإسلامي، تستغله بعض الفئات في ممارسات مرتبطة بالخرافة والسحر والشعوذة، الأمر الذي يثير استياء العلماء والمهتمين بالشأن الديني.

ومن الناحية الدينية، يرتبط يوم عاشوراء أساساً بصيامه، حيث وردت أحاديث نبوية تبين فضل صيام هذا اليوم، وأنه يكفر ذنوب سنة ماضية، كما ارتبط تاريخياً بنجاة نبي الله موسى وقومه من فرعون، وهو السبب الذي جعل النبي محمد صلى الله عليه وسلم يحث على صيامه. وهذه هي أبرز الدلالات الدينية الثابتة المرتبطة بعاشوراء في المصادر الإسلامية المعتمدة.

غير أن الممارسة الاجتماعية في بعض المناطق أضافت إلى هذا اليوم طقوساً وعادات لا تستند إلى أي أصل ديني واضح، إذ تنتشر بين بعض الأشخاص اعتقادات تتعلق بوجود قدرات خاصة لهذا اليوم في جلب الحظ أو فك السحر أو إلحاق الضرر بالآخرين أو إنجاز أعمال مرتبطة بالشعوذة. ويؤكد العلماء أن هذه الممارسات لا تستند إلى نصوص شرعية صحيحة، بل تنتمي إلى الموروثات الشعبية التي تراكمت عبر الزمن واختلطت عند البعض بالمفاهيم الدينية.

كما تشهد العديد من الأحياء والأسر الشعبية مظاهر احتفالية خاصة بعاشوراء تتمثل في قرع الطبول وإنشاد الأهازيج والأغاني الشعبية وإشعال النيران في الأزقة والساحات، وهي عادات يعتبرها البعض جزءاً من التراث الشعبي المتوارث، بينما يرى آخرون أنها لا تمت بصلة إلى الشعائر الإسلامية. كما يربط بعض الباحثين في التراث الشعبي جزءاً من هذه الممارسات بتقاليد قديمة تعود إلى روافد ثقافية وتاريخية متعددة عرفها المغرب عبر القرون، بما فيها عادات ارتبطت بالجماعات اليهودية المغربية التي كانت جزءاً من النسيج الاجتماعي للبلاد.

ومن بين المظاهر التي تحضر بقوة خلال هذه المناسبة أيضاً إعداد أطباق تقليدية خاصة، وعلى رأسها الرفيسة بالقديد، حيث تحتفظ بعض الأسر بلحوم وأحشاء أضحية العيد بعد تمليحها وتجفيفها تحت أشعة الشمس منذ أيام عيد الأضحى، لتتم إعادة طهيها يوم عاشوراء في إطار تقليد اجتماعي متوارث. وتعتبر هذه الوجبة لدى عدد من العائلات جزءاً من الذاكرة الجماعية المرتبطة بهذه المناسبة أكثر من ارتباطها بأي بعد ديني.

كما تشهد بعض الفترات المرتبطة بعاشوراء نشاطاً ملحوظاً للمشعوذين والدجالين الذين يستغلون جهل بعض الناس وحاجتهم النفسية أو الاجتماعية للترويج لأفكار وادعاءات لا أساس لها من الدين أو العلم. ويجد هؤلاء في انتشار بعض المعتقدات الشعبية فرصة لتحقيق مكاسب مادية من خلال بيع الوهم وإيهام الناس بقدرتهم على التأثير في الأقدار أو حل المشكلات بوسائل خارقة.

ويرى باحثون في علم الاجتماع أن استمرار هذه الظواهر يعود إلى تداخل العوامل الثقافية والنفسية والتاريخية، حيث تنتقل بعض المعتقدات جيلاً بعد جيل حتى تصبح جزءاً من الذاكرة الشعبية رغم افتقارها إلى أي سند ديني موثوق. ولذلك تتجدد كل سنة الدعوات إلى التمييز بين ما هو ديني ثابت وما هو مجرد عادة أو اعتقاد شعبي.

ويبقى يوم عاشوراء في جوهره مناسبة دينية معروفة بفضل الصيام والتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة، بينما تظل الممارسات المرتبطة بالسحر والشعوذة والخرافة خارج الإطار الديني الصحيح، كما أن العديد من العادات الاحتفالية والغذائية المرتبطة بهذه المناسبة تبقى جزءاً من التراث الشعبي والثقافي الذي تطور عبر الزمن، وهو ما يؤكد أهمية التمييز بين الدين والعادة، وبين ما هو عبادة ثابتة وما هو إرث اجتماعي متوارث.

 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك