أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)
لم يعد الجدل اليوم يدور حول قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج النصوص، بل حول حدود هذا الإنتاج نفسه.
فمع تطور النماذج التوليدية، أصبح بالإمكان كتابة مقالات، تلخيص تقارير، أو حتى محاكاة أساليب كتابية مختلفة.
لكن هذا التطور، مهما بدا مذهلاً، لا يرقى إلى صناعة صحافي مهني أو كاتب حقيقي، بل يظل في حدود “الأداة” التي تساعد ولا تُنتج إنساناً مهنياً.
فالصحافة ليست مجرد جمل متناسقة أو معلومات مرتبة، بل هي تجربة ميدانية، حس نقدي، تحقيق، مساءلة، وشجاعة في مواجهة السلطة والواقع.
وهي عناصر لا يمكن لأي نظام آلي مهما كانت قدرته، أن يكتسبها لأنه لا يعيش الواقع ولا يتحمل تبعاته.
الفرق الجوهري بين الأداة والمهنة
الخلط الذي يتسع اليوم بين “الكتابة الآلية” و“الصحافة” يخلق وهماً خطيراً: أن أي شخص يمتلك ذكاءً اصطناعياً أصبح كاتباً أو صحافياً. لكن الحقيقة أبعد من ذلك بكثير.
الذكاء الاصطناعي يشتغل على البيانات، بينما الصحافي يشتغل على الواقع. الأول يعيد تركيب ما هو موجود، بينما الثاني يكشف ما هو مخفي. وبين الاثنين مسافة مهنية وأخلاقية لا يمكن تجاوزها بالتكنولوجيا وحدها.
المغرب:فوضى التسمية وتآكل المهنة
في السياق المغربي، تتعمق هذه الإشكالية بشكل لافت، حيث أصبح المجال الإعلامي يعيش نوعاً من “التمدد الفوضوي” مع انتشار منصات رقمية وصفحات اجتماعية تدّعي العمل الصحافي دون تأطير مهني واضح.
هذا الواقع تزامن مع حالة فراغ أو ضعف في التأطير المؤسساتي للقطاع، في ظل الجدل المتكرر حول دور المجلس الوطني للصحافة وتدبيره لملف التنظيم الذاتي، إضافة إلى النقاش المستمر حول أداء وزارة الشباب والثقافة والتواصل باعتبارها الجهة الحكومية الوصية على القطاع.
في هذا المناخ، لم يعد الفاصل واضحاً بين الصحافي المهني وصانع المحتوى، ولا بين الخبر والتحليل والرأي، ما أدى إلى تآكل تدريجي لمعايير المهنة.
الذكاء الاصطناعي ذريعة للفوضى المهنية
الأخطر اليوم ليس في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في استخدامه كغطاء لتبرير غياب التكوين الصحافي أو احترام أخلاقيات المهنة.
فهناك من بات يعتقد أن امتلاك أدوات توليد النصوص يكفي للانخراط في الحقل الإعلامي، في حين أن هذه الأدوات لا تمنح لا مصداقية ولا مسؤولية ولا تحققاً ميدانياً.
الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يكتب خبراً، لكنه لا يستطيع أن يتحقق منه. يمكنه أن يصيغ رأياً، لكنه لا يتحمل تبعاته. ويمكنه أن يحاكي الأسلوب، لكنه لا يملك موقفاً أخلاقياً أو التزاماً مهنياً.
الصحافة الحقيقية تجربة لا تُبرمج
الصحافي ليس مجرد كاتب، بل شاهد على الواقع. يذهب إلى الميدان، يسائل، يواجه، ويعيد تركيب الحقيقة من مصادر متناقضة.
وهذه العملية لا تختزل في خوارزمية أو نموذج لغوي مهما بلغ تطوره.
حتى أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي تقدماً تبقى رهينة ما يُغذّى به من بيانات، بينما الصحافة الحقيقية قادرة على إنتاج المعرفة من خارج ما هو متاح ومكتوب مسبقاً.
أزمة ثقة تتفاقم
تداخل الأدوار بين الهواة، والمنصات الرقمية، وأدوات الذكاء الاصطناعي، خلق أزمة ثقة عميقة لدى الجمهور. فالمتلقي اليوم يجد نفسه أمام تدفق هائل من المحتوى، دون قدرة واضحة على التمييز بين الصحافة المهنية والمحتوى المُنتَج آلياً أو العشوائي.
وهذا ما يجعل الحاجة ملحة إلى إعادة تعريف المهنة، لا عبر التكنولوجيا، بل عبر إعادة الاعتبار لقواعدها الأساسية: التحقق، المسؤولية، والاستقلالية.
الذكاء الاصطناعي لا يصنع صحافياً بل يكشف حدود الإنسان
في النهاية، يظل الذكاء الاصطناعي أداة قوية، لكنه ليس بديلاً عن الصحافي. يمكنه أن يساعد، يسرّع، وينظم، لكنه لا يمكنه أن يعيش التجربة الإنسانية التي تُنتج الصحافة.
وفي سياق مثل المغرب، حيث تتقاطع التحولات الرقمية مع ارتباك مؤسساتي ومهني، يصبح الخطر الحقيقي ليس في التكنولوجيا، بل في توهم أن التكنولوجيا قادرة على تعويض غياب المهنة نفسها.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك