صدمة في سوق الشغل المغربي وآلاف المقاولات خارج منظومة التكوين وملايين الأجراء يدفعون ثمن أعطاب مزمنة تهدد التنافسية

صدمة في سوق الشغل المغربي وآلاف المقاولات خارج منظومة التكوين وملايين الأجراء يدفعون ثمن أعطاب مزمنة تهدد التنافسية
ديكريبتاج / الخميس 04 يونيو 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو فراس

كشف تشخيص جديد للوضعية الحقيقية للتكوين المستمر داخل القطاع الخاص بالمغرب عن صورة مقلقة تعكس حجم الاختلالات التي ما تزال تعرقل تطوير الرأسمال البشري وتحد من قدرة المقاولات على مواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، في وقت باتت فيه الكفاءة والتأهيل المستمران من أبرز شروط البقاء والمنافسة في الأسواق الوطنية والدولية.

المعطيات الصادرة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ترسم ملامح أزمة صامتة داخل واحدة من أهم الآليات المفترض أن تساهم في رفع الإنتاجية وتحسين فرص التشغيل وتطوير مهارات العاملين. فبرغم الخطابات المتكررة حول أهمية الاستثمار في العنصر البشري، ما تزال الاستفادة الفعلية من برامج التكوين المستمر محدودة بشكل يثير الكثير من علامات الاستفهام حول نجاعة المنظومة الحالية وقدرتها على تحقيق الأهداف المعلنة.

وتظهر الأرقام حجم الهوة القائمة بين الطموحات والواقع، إذ إن عدد المقاولات التي استفادت من عقود التكوين خلال سنة 2022 لم يتجاوز 1647 مقاولة فقط، من أصل أكثر من 315 ألف مقاولة تؤدي رسم التكوين المهني. وهو ما يعني أن نسبة المستفيدين لا تصل حتى إلى نصف في المائة، في مؤشر وصفه متتبعون بأنه يعكس تعثراً هيكلياً أكثر منه مجرد ضعف ظرفي في الإقبال.

ويبدو أن المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة هي الأكثر تضرراً من هذا الوضع، حيث تجد نفسها أمام منظومة معقدة من الإجراءات الإدارية والمساطر المالية التي تجعل الولوج إلى برامج التكوين مهمة شاقة ومكلفة، رغم أن هذه الفئة تمثل العمود الفقري للنسيج الاقتصادي الوطني وتشغل نسبة مهمة من اليد العاملة المغربية.

ولا تتوقف الأعطاب عند حدود المقاولات فقط، بل تمتد لتشمل فئات واسعة من العاملين الذين يجدون أنفسهم خارج دائرة الاستفادة من برامج التأهيل والتطوير المهني. فالعاملون المستقلون وغير الأجراء، إلى جانب عدد كبير من الباحثين عن العمل، ما يزالون محرومين عملياً من الاستفادة من آليات التكوين المستمر بسبب شروط قانونية وإدارية تجعل الانخراط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بوابة إلزامية للاستفادة من هذه الخدمات.

ويبرز هذا الإقصاء كأحد أبرز أوجه الخلل في المنظومة الحالية، خاصة في ظل التحولات التي يعرفها سوق العمل وارتفاع أعداد العاملين خارج الأشكال التقليدية للتشغيل، وهو ما يطرح تحديات حقيقية أمام أي سياسة عمومية تسعى إلى تطوير المهارات وتحسين قابلية التشغيل على نطاق واسع.

ومن بين المؤشرات الصادمة التي سجلها المجلس، محدودية الاعتراف بالخبرة المهنية المتراكمة لدى العاملين. فآلية الاعتراف بمكتسبات التجربة، التي يفترض أن تمنح قيمة للشهادات والخبرات المكتسبة خارج المسارات الأكاديمية التقليدية، لم يستفد منها منذ إطلاقها سوى عدد محدود جداً من الأشخاص، رغم أن شريحة واسعة من النشيطين اقتصادياً لا تتوفر على شهادات دراسية أو مهنية رسمية.

ويرى المجلس أن هذا الوضع يعكس بطء الإصلاحات المؤسساتية والتنظيمية المرتبطة بالقطاع، خصوصاً في ما يتعلق بتفعيل القانون المنظم للتكوين المستمر، والذي ظل جزء مهم من مقتضياته معلقاً بسبب تأخر إصدار النصوص التطبيقية الضرورية لتحويله إلى واقع عملي ملموس.

كما نبه التقرير إلى أن تعقيد الإجراءات وتعدد المتدخلين في تدبير المنظومة يؤديان إلى إضعاف فعاليتها، حيث تجد المقاولات نفسها مضطرة إلى الانتظار لفترات طويلة قبل استرجاع مستحقاتها المالية المرتبطة بالتكوين، الأمر الذي ينعكس مباشرة على سيولتها المالية ويجعل العديد منها يتردد في الاستثمار في تطوير مواردها البشرية.

أما على مستوى العرض التكويني، فإن الصورة لا تبدو أكثر إشراقاً. فالمغرب ما يزال يعاني من محدودية عدد المؤسسات والهيئات المؤهلة لتقديم برامج التكوين المستمر، إضافة إلى تركيزها الجغرافي داخل عدد محدود من المراكز الاقتصادية الكبرى، وعلى رأسها الدار البيضاء. وهو ما يحرم آلاف المقاولات الموجودة في الجهات الأخرى من فرص متكافئة للاستفادة من خدمات التأهيل والتكوين.

هذا التمركز الجغرافي لا يساهم فقط في تعميق الفوارق بين الجهات، بل يكرس أيضاً نوعاً من اللامساواة في الوصول إلى فرص تطوير المهارات والرفع من الكفاءات، الأمر الذي ينعكس في النهاية على جاذبية الاستثمار وعلى تنافسية الاقتصاد الوطني ككل.

وفي جانب آخر لا يقل أهمية، حذر المجلس من غياب قاعدة بيانات رقمية شاملة ومحينة تسمح بتتبع مسار التكوين المستمر وتقييم نتائجه بشكل دقيق. فضعف المعطيات والإحصائيات المتوفرة يجعل من الصعب قياس الأثر الحقيقي للبرامج المنجزة أو تحديد مكامن القوة والضعف داخل المنظومة، ما يحد من فعالية السياسات العمومية ويؤخر اتخاذ القرارات التصحيحية الضرورية.

وتعيد هذه الخلاصات إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً حول مستقبل الرأسمال البشري بالمغرب في ظل عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة. فبينما تتجه الاقتصادات الصاعدة إلى جعل التكوين المستمر حجر الزاوية في استراتيجياتها التنموية، ما تزال المنظومة المغربية تواجه أعطاباً بنيوية عميقة تجعل آلاف المقاولات وملايين العاملين خارج دائرة الاستفادة الفعلية من حق أساسي بات يشكل اليوم مفتاحاً رئيسياً للتشغيل والإنتاجية والقدرة على المنافسة في اقتصاد عالمي لا يعترف إلا بالكفاءات المتجددة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك