أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي
مقدمة
يشكل موضوع التشيع في المغرب إحدى القضايا المركبة التي تتجاوز البعد المذهبي الصرف لتلامس رهانات الهوية الدينية والأمن الروحي والتوازنات الجيوسياسية الإقليمية. فالمغرب يعد تاريخيا من أكثر البلدان العربية والإسلامية تجانسا من الناحية المذهبية، إذ استقر منذ قرون على المرجعية السنية المالكية المدعومة بالعقيدة الأشعرية والتصوف السني، وهو النموذج الذي شكل أحد أعمدة الشرعية الدينية والسياسية للدولة المغربية. غير أن التحولات التي عرفها العالم الإسلامي منذ انتصار الثورة الإيرانية سنة 1979، وما رافقها من صعود لسياسات النفوذ الديني والثقافي العابرة للحدود، جعلت من مسألة التشيع موضوعا حاضراً في النقاشات الفكرية والأمنية المغربية .
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل ظاهرة التشيع في المغرب من منظور أكاديمي محكم، مع التركيز على أبعادها التاريخية والديمغرافية، وعلاقتها بمفهوم
الأمن الروحي في السياسة الدينية المغربية، وتأثير العوامل الجيوسياسية الإقليمية، خاصة العامل الإيراني، بالإضافة إلى التفاعل مع ظاهرة التطرف الجهادي.
الجذور التاريخية والواقع الديمغرافي للتشيع في المغرب
تاريخيا، عرف المغرب وجودا شيعيا مبكرا، خاصة مع قيام دولة الأدارسة التي يرى بعض المؤرخين أنها كانت ذات توجه شيعي زيدي . إلا أن هذا الوجود لم يستمر طويلا، حيث استقر المغرب على المذهب المالكي السني كمرجعية دينية رسمية وشعبية. في العصر الحديث، عاد الحديث عن التشيع ليبرز مع التحولات الإقليمية والدولية.
لا تتوفر إلى اليوم إحصاءات رسمية دقيقة حول عدد الشيعة أو المتشيعين في المغرب. غير أن معظم التقديرات المتداولة في الدراسات الصحفية والأمنية والأكاديمية تشير إلى أرقام تتراوح بين بضعة الاف وعشرات الالاف على أقصى تقدير ضمن مجتمع يتجاوز تعداده 37 مليون نسمة . وتبقى هذه الأرقام تقريبية وغير مبنية على إحصاءات ميدانية شاملة، الأمر الذي يجعل من الصعب الحديث عن أقلية شيعية منظمة أو كتلة اجتماعية ذات وزن ديمغرافي مؤثر. ومع ذلك، فإن محدودية العدد لم تمنع بروز نقاش واسع حول حجم التأثير المحتمل لهذا الحضور، خاصة مع انتشار وسائل الاتصال الحديثة وشبكات التواصل الاجتماعي والفضائيات العابرة للحدود، فضلا عن تأثير بعض الأوساط المرتبطة بالجاليات المغربية المقيمة في أوروبا .
وقد أشار محمد غنفودي في دراسته حول(تسييس الشيعة المغاربة) إلى أن الشيعة في المغرب يمثلون كتلة غير متجانسة، تنقسم إلى عدة تيارات فكرية ومرجعيات دينية، منها التيار الرسالي، والشيرازية، والخمينية، والسيستانية . وتتركز أنشطة هذه المجموعات بشكل كبير في العالم الافتراضي، عبر المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى تنظيم احتفالاتهم الدينية في المنازل الخاصة، وذلك بسبب القيود التي تفرضها السلطات المغربية على أنشطتهم .
التشيع ورهانات الأمن الروحي في السياسة الدينية المغربية
تكمن خصوصية الحالة المغربية في أن الدولة لا تنظر إلى التشيع باعتباره مجرد اختيار مذهبي فردي، بل باعتباره جزءا من معادلة أوسع تتعلق بحماية الوحدة المذهبية للمجتمع وصيانة ما تسميه الأدبيات الرسمية الأمن الروحي للمغاربة . هذا المفهوم، الذي ورد في الفصل 41 من الدستور المغربي، يعتبر الملك أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية .
لم تقتصر الاستجابة المغربية للتحديات الدينية والأمنية التي برزت بقوة بعد تفجيرات الدار البيضاء سنة 2003 على الجانب الأمني الصرف، بل اتجهت نحو إعادة هيكلة شاملة للحقل الديني بهدف تعزيز مناعة المجتمع ضد مختلف أشكال التطرف والانحراف الفكري. وقد انطلقت هذه المقاربة من قناعة مفادها أن المواجهة الأمنية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لمعالجة الأسباب العميقة المؤدية إلى انتشار الأفكار المتشددة أو التأثيرات المذهبية الوافدة، الأمر الذي استدعى بناء استراتيجية متكاملة تجمع بين البعد الديني والتربوي والمؤسساتي والإعلامي والتشريعي.
وفي هذا السياق عملت الدولة على تعزيز دور المؤسسات الدينية الرسمية وإعادة تنظيمها بما يضمن وحدة المرجعية الدينية الوطنية. فتم تفعيل اختصاصات المجلس العلمي الأعلى باعتباره الهيئة العليا المشرفة على الإفتاء والتوجيه الديني، إلى جانب دعم شبكة المجالس العلمية المحلية المنتشرة في مختلف الأقاليم والعمالات، لتضطلع بأدوار أكبر في التأطير الديني والتوعية والإرشاد ومواكبة القضايا الدينية للمواطنين. وقد شكل هذا التوجه جزءا من سياسة تروم الحد من تعدد المرجعيات الدينية غير الخاضعة للرقابة المؤسساتية، وضمان صدور الخطاب الديني من قنوات رسمية مؤهلة علميا وفق الثوابت الدينية للمملكة القائمة على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني.
كما أولت الدولة أهمية خاصة لتكوين وتأهيل الأطر الدينية، انطلاقا من إدراكها أن جودة الخطاب الديني ترتبط ارتباطا وثيقا بمستوى تكوين القائمين عليه. وفي هذا الإطار أحدث معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات، الذي أصبح أحد أبرز المؤسسات الدينية في المنطقة، حيث يتولى تكوين الأئمة والخطباء والمرشدات الدينيات وفق مناهج تجمع بين العلوم الشرعية التقليدية والمعارف الإنسانية والاجتماعية المعاصرة، مع التركيز على قيم الوسطية والاعتدال والتسامح. ولم يقتصر دور المعهد على تكوين الأطر المغربية فقط، بل امتد ليشمل أئمة ومرشدين من عدد من الدول الإفريقية والأوروبية، مما جعل التجربة المغربية تقدم نفسها كنموذج في مجال تدبير الشأن الديني ومكافحة التطرف.
وإلى جانب التأطير المؤسساتي والتكويني، شملت عملية الإصلاح المجال الإعلامي الديني، حيث تم إطلاق وسائل إعلام متخصصة تسعى إلى نشر المعرفة الدينية الرصينة وتوفير بديل إعلامي قادر على مواجهة الخطابات المتشددة التي تنتشر عبر القنوات الفضائية أو شبكة الإنترنت. ومن أبرز هذه المبادرات إنشاء قناة محمد السادس للقرآن الكريم وإذاعة محمد السادس للقرآن الكريم، اللتين تساهمان في بث الدروس العلمية والبرامج التثقيفية والقراءات القرآنية والحوارات الفكرية التي تبرز قيم الإسلام الوسطي المعتدل، وتعملان على ترسيخ المرجعية الدينية الوطنية في الوعي الجماعي للمجتمع المغربي.
كما رافقت هذه الإصلاحات مراجعات تشريعية وتنظيمية همت مختلف المجالات المرتبطة بالحقل الديني، بما في ذلك القوانين المنظمة للمساجد والتعليم العتيق وشروط ممارسة الوعظ والإرشاد الديني. وقد هدفت هذه المراجعات إلى تعزيز الرقابة القانونية على الفضاء الديني وضمان انسجام مختلف المؤسسات والأنشطة الدينية مع المرجعية الرسمية للدولة، مع الحرص على منع استغلال المساجد أو المؤسسات التعليمية الدينية في نشر أفكار متطرفة أو توظيفها لأغراض سياسية أو مذهبية.
وقد اتسمت هذه المقاربة بالشمولية في تحديد مصادر التهديد المحتملة للأمن الديني للمملكة، إذ لم تركز فقط على مواجهة السلفية الجهادية والتنظيمات التكفيرية العابرة للحدود التي برز خطرها بشكل واضح خلال العقدين الأخيرين، بل شملت أيضا التصدي لما تعتبره الدولة محاولات للتأثير المذهبي الخارجي داخل المجتمع المغربي. ويندرج ذلك ضمن رؤية رسمية تقوم على حماية الوحدة المذهبية للمملكة باعتبارها أحد عناصر الاستقرار السياسي والاجتماعي، حيث تنظر السلطات إلى أي محاولات لنشر ولاءات دينية أو مذهبية مرتبطة بجهات خارجية باعتبارها عاملاً قد يؤدي إلى إضعاف الانسجام الديني الوطني وخلق أشكال جديدة من الاستقطاب داخل المجتمع.
وهكذا تشكلت معالم نموذج مغربي في تدبير الشأن الديني يقوم على التكامل بين الأمن والإصلاح المؤسساتي والتأطير العلمي والتكوين الديني والإعلام المتخصص والتشريع المنظم، بهدف بناء فضاء ديني موحد ومحصن ضد التطرف بمختلف أشكاله، وضمان استمرارية المرجعية الدينية الوطنية باعتبارها أحد مرتكزات الاستقرار السياسي والاجتماعي في المملكة.
أما التشيع في المغرب فلم ينظر إليه في الغالب باعتباره تهديدا أمنيا مباشرا بالدرجة نفسها التي نظر بها إلى الحركات الجهادية العنيفة، بل عد قضية ترتبط أساسا بالمنافسة المذهبية والمرجعية الدينية والامتدادات الجيوسياسية الإقليمية. غير أن ذلك لا يعني غياب اهتمام الدولة المغربية بهذه الظاهرة، إذ شهدت العلاقات المغربية الإيرانية خلال العقود الأخيرة فترات من التوتر بسبب اتهامات رسمية لإيران بمحاولات التأثير الديني والثقافي داخل المغرب، كما اتخذت السلطات المغربية في بعض المناسبات إجراءات شملت إغلاق جمعيات أو منع أنشطة اعتبرت مخالفة للإطار القانوني المنظم للشأن الديني أو متعارضة مع الثوابت الدينية الرسمية للمملكة. ويرى عدد من الباحثين أن المقاربة المغربية تجاه التشيع تستند إلى جملة من الاعتبارات المتداخلة، في مقدمتها محدودية الحجم الديمغرافي للمتشيعين في المغرب مقارنة بالأغلبية السنية المالكية. كما أن غياب البعد العنيف عن أغلب التعبيرات الشيعية المغربية يجعلها مختلفة عن التنظيمات الجهادية التي تبنت العنف المسلح، وهو ما يفسر عدم التعامل معها من منظور أمني صرف. ويضاف إلى ذلك اعتماد الدولة على قوة المرجعية الدينية الوطنية القائمة على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، باعتبارها منظومة دينية راسخة تاريخيا وقادرة على الحفاظ على تماسك الحقل الديني المغربي وتحصينه من التأثيرات الخارجية. وفي المقابل، يذهب اتجاه بحثي آخر إلى أن الاهتمام الرسمي بظاهرة التشيع لا يرتبط فقط بالاختلاف المذهبي، بل يتجاوز ذلك إلى اعتبارات سياسية وجيوسياسية مرتبطة بالنفوذ الإقليمي لإيران وما يعرف بالتشيع السياسي، حيث يكمن مصدر القلق، وفق هذا التصور، في احتمال ارتباط بعض الفاعلين المحليين بشبكات أو أجندات خارجية قد تؤثر في استقلالية القرار الديني الوطني وفي التوازنات التي يقوم عليها النموذج الديني المغربي.
الأبعاد الجيوسياسية والعامل الإيراني
لا يمكن فهم الجدل المرتبط بالتشيع في المغرب بمعزل عن السياق الجيوسياسي الإقليمي الذي تشكلت داخله السياسات الدينية المغربية خلال العقود الأخيرة. فبالرغم من أن عدد المتشيعين في المغرب يبقى محدودا وفق أغلب التقديرات والدراسات المتاحة، فإن حضور المسألة الشيعية في الخطاب الرسمي والإعلامي يفوق بكثير حجمها الديمغرافي الفعلي، الأمر الذي يكشف أن الرهانات المرتبطة بها تتجاوز البعد الديني الصرف لتلامس اعتبارات سياسية واستراتيجية أوسع. وقد ساهمت التحولات التي عرفها الشرق الأوسط منذ انتصار الثورة الإيرانية سنة 1979 في إعادة تشكيل نظرة العديد من الدول العربية إلى التشيع، حيث لم يعد ينظر إليه فقط باعتباره مذهبا إسلاميا ضمن التنوع المذهبي، بل أصبح في كثير من الأحيان مرتبطا بالدور الإقليمي المتنامي لإيران وما رافقه من تصاعد التنافس على النفوذ في عدد من الساحات العربية.
في الحالة المغربية، تبلورت هذه المقاربة بشكل واضح من خلال التوترات المتكررة التي شهدتها العلاقات المغربية الإيرانية، والتي بلغت حد قطع العلاقات الدبلوماسية في أكثر من مناسبة. وقد ارتبطت هذه التوترات بعوامل متعددة، من بينها الخلافات السياسية حول قضايا إقليمية، والاتهامات المتبادلة بشأن التدخل في الشؤون الداخلية، فضلا عن المواقف المغربية التي اعتبرت أن بعض الأنشطة المرتبطة بإيران أو بمؤسسات قريبة منها تتجاوز المجال الثقافي والديني إلى محاولات بناء شبكات نفوذ ذات أبعاد سياسية. ومن ثم أصبحت قضية التشيع في المخيال السياسي الرسمي جزءا من نقاش أوسع يتعلق بحماية الأمن الروحي للمملكة والحفاظ على النموذج الديني المغربي القائم على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني.
وفي هذا الإطار، يبرز سؤال أساسي يتعلق بطبيعة الظاهرة الشيعية في المغرب: هل نحن أمام خيار ديني فردي نابع من قناعات فكرية وعقدية شخصية، أم أمام ظاهرة يخشى أن تتحول إلى قناة محتملة لتأثيرات خارجية مرتبطة بصراعات النفوذ الإقليمي؟ فبينما يؤكد العديد من المتشيعين المغاربة أن انتماءهم المذهبي يعكس اقتناعا دينيا خالصا ولا يرتبط بأي ولاء سياسي خارجي، تميل بعض المقاربات الأمنية والسياسية إلى النظر إلى الظاهرة من زاوية أكثر حذرا، انطلاقا من التجارب التي عرفتها مناطق أخرى من الشرق الأوسط حيث تداخلت الهويات المذهبية مع الاستقطابات الجيوسياسية.
وتزداد أهمية هذا النقاش بالنظر إلى التحولات التي شهدها مفهوم القوة في العلاقات الدولية المعاصرة. فالتنافس بين الدول لم يعد يقتصر على الأدوات العسكرية أو الاقتصادية التقليدية، بل أصبح يشمل أيضا توظيف الدين والثقافة والتعليم والإعلام ضمن ما يعرف باستراتيجيات القوة الناعمة. ومن هذا المنظور، تنظر بعض الدول إلى الانتشار المذهبي باعتباره أحد أشكال بناء النفوذ الخارجي وتعزيز الروابط العابرة للحدود. لذلك فإن المخاوف المرتبطة بالتشيع في المغرب لا ترتبط فقط بعدد أتباعه، بل أيضا بما قد يحمله من وجهة نظر بعض الفاعلين الرسميين من دلالات سياسية ورمزية تتجاوز حجمه العددي المحدود.
ومع ذلك، فإن عددا من الدراسات الأكاديمية والبحوث المتخصصة يدعو إلى التمييز بين التصورات السياسية والواقع الاجتماعي الفعلي. فقد خلصت بعض الدراسات، ومنها تقارير صادرة عن مراكز بحثية متخصصة في الشأن المغاربي، إلى أن التأثير السياسي للشيعة المغاربة يظل محدودا للغاية، وأن حضورهم داخل المجال العام لا يرقى إلى مستوى تشكيل قوة اجتماعية أو سياسية منظمة قادرة على التأثير في التوازنات الداخلية للدولة. كما تشير هذه الدراسات إلى أن جزءا مهما من الجدل المحيط بالظاهرة يعود إلى حساسيتها الرمزية وإلى ارتباطها بالسياقات الإقليمية أكثر مما يعود إلى تأثيرها الواقعي داخل المجتمع المغربي.
وبناء على ذلك، يمكن القول إن التشيع في المغرب يمثل حالة تتقاطع فيها الاعتبارات الدينية مع الحسابات الجيوسياسية. فالنقاش حوله لا يتعلق فقط بمسألة حرية المعتقد أو التنوع المذهبي، بل يرتبط أيضا بكيفية إدراك الدولة للمخاطر المحتملة المرتبطة بالتدخلات الخارجية وبالحفاظ على وحدة المرجعية الدينية الوطنية. ومن ثم فإن أهمية الظاهرة لا تنبع من حجمها العددي بقدر ما تنبع من موقعها عند نقطة التماس بين الدين والسياسة والأمن، وهو ما يفسر استمرار حضورها في النقاشات المتعلقة بالأمن الروحي للمملكة وبالتوازنات الإقليمية المحيطة بها.
التشيع في مواجهة التطرف الجهادي( من القاعدة إلى داعش)
إذا كان النقاش حول التشيع في المغرب يرتبط غالبا بقضايا المرجعية الدينية والوحدة المذهبية والامتدادات الجيوسياسية، فإن دراسة الظاهرة لا تكتمل دون التوقف عند موقع التشيع في أدبيات التنظيمات الجهادية المعاصرة، باعتبارها الفاعل الأكثر تشدداً في النظر إلى الشيعة وإيران داخل المجال الإسلامي.
فخلافا لبعض التصورات التي تحاول الربط بين إيران وتنظيم داعش أو تفترض وجود تقاطعات استراتيجية بينهما، فإن المعطيات الفكرية والتاريخية المتعلقة بالحركات الجهادية تظهر أن العداء لإيران وللشيعة يشكل أحد الثوابت المركزية في خطاب هذه التنظيمات. فمنذ ظهور السلفية الجهادية العالمية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، تبنى عدد من منظريها رؤى تعتبر التشيع انحرافا عقديا، ووضعت إيران ضمن دائرة الخصوم العقائديين والسياسيين للحركة الجهادية.
وقد ظهر ذلك بوضوح في أدبيات العديد من قادة الجهاد العالمي، حيث احتل نقد إيران والشيعة مكانة بارزة في الخطاب التعبوي والتنظيري. ورغم أن تنظيم القاعدة أعطى الأولوية في كثير من المراحل لمواجهة الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين والأنظمة العربية الحليفة لهم، فإن ذلك لم يمنع استمرار التوتر العقائدي مع إيران والشيعة، وهو توتر اتخذ أحيانا طابعا سياسيا وأمنيا مباشرا.
أما تنظيم داعش فقد نقل هذا العداء إلى مستوى أكثر راديكالية، إذ جعل من مواجهة الشيعة أحد المحاور الأساسية في خطابه الأيديولوجي واستراتيجيته العملياتية. وقد انعكس ذلك في حجم العمليات التي استهدفت تجمعات شيعية ومؤسسات دينية ومدنية مرتبطة بإيران أو بحلفائها في العراق وسوريا وأفغانستان وغيرها. كما اعتبر التنظيم إيران أحد أبرز خصومه الإقليميين، ووضعها في صلب خطابه التعبوي والسياسي.
ومن هذه الزاوية، تبدو العلاقة بين داعش وإيران علاقة صراع وعداء أكثر منها علاقة تحالف أو تنسيق. ولذلك فإن السؤال البحثي الأكثر أهمية لا يتعلق بإمكانية وجود علاقة مباشرة بين الطرفين، بقدر ما يتعلق بفهم الأسباب التي جعلت الحركات الجهادية، دون غيرها من مكونات الحركة الإسلامية، تتبنى هذا المستوى المرتفع من العداء تجاه التشيع وإيران.
فإذا كانت جماعات إسلامية عديدة، بما فيها بعض الحركات الإسلامية السنية، قد حافظت على علاقات متفاوتة مع إيران أو تبنت مواقف براغماتية تجاهها، فإن التيار الجهادي العالمي ظل استثناء لافتا في هذا المجال. ومن هنا تبرز مجموعة من الأسئلة الاستراتيجية المهمة:
لماذا احتل العداء لإيران وللشيعة موقعا مركزيا في البناء الأيديولوجي للتيارات الجهادية منذ مرحلة القاعدة وصولا إلى داعش؟
إلى أي حد يرتبط هذا العداء بالخلافات العقدية والمذهبية، وإلى أي حد يرتبط بالمنافسة على الشرعية الدينية والقيادة الرمزية للعالم الإسلامي؟
هل يمثل التشيع بالنسبة للحركات الجهادية خصما عقائديا فحسب، أم منافسا سياسيا واستراتيجيا على النفوذ داخل المجال الإسلامي؟
كيف أسهمت الحروب الإقليمية في العراق وسوريا واليمن في تعميق النزعة المعادية للشيعة داخل الخطاب الجهادي؟
ولماذا لم يظهر مستوى مماثل من العداء داخل معظم التيارات الإسلامية الأخرى، التي فضلت غالبا مقاربات أكثر براغماتية في التعامل مع إيران؟
وتقود هذه الأسئلة إلى فرضية جديرة بالنقاش، مفادها أن العداء الجهادي لإيران لا يمكن تفسيره فقط من خلال الخلاف المذهبي التقليدي بين السنة والشيعة، بل يرتبط أيضا بصراع أوسع حول احتكار تمثيل الإسلام الصحيح وقيادة مشروع التغيير في العالم الإسلامي. فكل من المشروع الجهادي السلفي والمشروع الإيراني الثوري يقدمان نفسيهما بوصفهما مشروعين عابرين للحدود يتجاوزان الدولة الوطنية، الأمر الذي يجعل بينهما تنافسا بنيويا على الشرعية والرمزية والنفوذ، حتى عندما يكونان في مواجهة خصوم مشتركين.
وبذلك يصبح ملف التشيع في سياق دراسة التطرف العنيف ليس مجرد قضية مذهبية، بل مدخلا لفهم طبيعة الصراعات داخل المجال الإسلامي المعاصر، وكيف تتداخل فيها الاعتبارات العقدية مع الرهانات السياسية والاستراتيجية والجيوسياسية.
خاتمة
إن دراسة التشيع في المغرب لا تقتصر في حقيقتها على البحث في حجم جماعة دينية محدودة العدد، بل تفتح الباب أمام تحليل أوسع يتعلق بعلاقة الدين بالدولة، وبحدود التعددية المذهبية، وبإدارة التنوع الديني، وبكيفية تفاعل السياسات الوطنية مع التحولات الجيوسياسية الإقليمية . كما تسمح بفهم الكيفية التي سعى بها المغرب خلال العقود الأخيرة إلى بناء نموذج ديني قائم على المرجعية المالكية الأشعرية الصوفية باعتباره أداة لمواجهة تحديين متوازيين: تحدي الاختراقات المذهبية العابرة للحدود وتحدي التطرف الجهادي العنيف .
تظل الأسئلة الكبرى مفتوحة: هل نجح هذا النموذج في تحقيق مناعة دينية مستدامة؟ وهل سيكون قادرا على الصمود أمام التحولات الفكرية والرقمية المتسارعة؟ أم أن مستقبل المجال الديني المغربي سيفرض مقاربات جديدة تتجاوز منطق التحصين التقليدي نحو إدارة أكثر تعقيدا للتعدد الديني والفكري؟ .
المراجع
[1] السعداني، عبد اللطيف. حركات التشيع في المغرب ومظاهره، مجلة المنهاج، العدد 27، خريف 2002.
[2] أكديد، محمد. التشيع في المغرب بين الديني والسياسي، باحثون: المجلة المغربية للعلوم الاجتماع
[3] ية والإنسانية، العدد 16، 2021، ص 137-151.
[4] غنفودي، محمد. تسييس الشيعة المغاربة؟ بين قمع الدولة والانقسام الداخلي، معهد الدراسات السياسية والاجتماعية (MIPA)، 2019.
[5] الفصل 41 من دستور المملكة المغربية (2011).
[6] خطاب الملك محمد السادس بالدار البيضاء، 30 أبريل 2004، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
[7] "تدبير الشأن الديني بالمغرب: دراسة حول مستويات تأطير المسألة الدينية في المملكة"، مجلة جسور، 2025.
[8] "السياسة الدينية بالمغرب: دراسة في مرتكزات تدبير الحقل الديني"، تكامل، 2024.
[9] "محمد السادس ... أمير المؤمنين حامي الامن الديني والروحي للمغاربة"، حدث كم، 2023.
[10] "حدود ضبط الدولة للمجال الديني في المغرب"، معهد MIPA، 2020.
[11] استيتو، عبد الله. الأمن الروحي نموذج للتعاون جنوب جنوب بين المملكة المغربية ودول أفريقيا جنوب الصحراء، مجلة دراسات، المجلد 22، 2020.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك