صراع الإرادات والظاهرة الجهادية والنموذج الإيراني

صراع الإرادات والظاهرة الجهادية والنموذج الإيراني
ديكريبتاج / السبت 21 مارس 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي

مقدمة:

على امتداد القرن الماضي، لم تكن الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة مجرد ردود أفعال عسكرية عابرة أو استجابات لحظية لتهديدات أمنية، بل كانت تعبيرا بنيويا عن )منطق إمبراطوري( يسعى لضبط إيقاع النظام الدولي وفق الرؤية الأمريكية الكونية. من غابات فيتنام المطيرة إلى صحاري العراق الشاسعة وجبال أفغانستان الوعرة، وصولا إلى أزقة مقديشو، يبرز نمط استراتيجي ثابت في العقل السياسي الأمريكي؛ وهو الاعتقاد الراسخ بأن التفوق التكنولوجي والناري الكاسح كفيل بحسم الصراعات السياسية وإعادة تشكيل هوية الدول المستهدفة وفق النموذج الليبرالي الغربي.

إلا أن القراءة المتأنية للواقع التاريخي والجيوسياسي المعاصر تثبت أن هذه القوة، رغم ضخامتها المادية، غالبا ما تصطدم بحائط )صراع الإرادات" الصلب(. حيث تتحول الانتصارات العسكرية التكتيكية السريعة التي تحسم في أيام أو أسابيع إلى أزمات استنزاف استراتيجية طويلة الأمد تنهك الجسد الأمريكي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. إن هذه المفارقة تضعنا أمام تساؤل جوهري: لماذا تفشل القوة الأعظم في التاريخ في تحويل تفوقها العسكري إلى استقرار سياسي مستدام؟ وكيف تحولت تدخلاتها إلى وقود لتغذية قوى راديكالية ونماذج إقليمية منافسة؟

أولا: الإطار النظري: مفارقة القوة في الفكر الاستراتيجي

تعرف مفارقة القوة  في الأدبيات السياسية المعاصرة بأنها الحالة التي يجد فيها الفاعل الدولي القوي نفسه غير قادر على ترجمة موارده المادية الضخمة إلى نتائج سياسية مرغوبة. وقد أشار جوزيف ناي في أطروحاته حول )القوة الناعمة( و)القوة الذكية( إلى أن الاعتماد المفرط على القوة الصلبة (العسكرية) يؤدي غالبا إلى نتائج عكسية، حيث يثير المقاومة المحلية ويقوض الشرعية الدولية للفاعل المهيمن.

في سياق التدخلات الأمريكية في الشرق الأوسط، يمكن تحليل هذه المفارقة عبر ثلاثة مستويات مترابطة:

1.فجوة الأهداف والوسائل: حيث يتم استخدام أدوات عسكرية صلبة لتحقيق أهداف سياسية واجتماعية معقدة (مثل بناء الأمة أو نشر الديمقراطية)، وهي أهداف تتطلب أدوات ناعمة وزمنية طويلة لا توفرها الآلة العسكرية.

2.معضلة الهيمنة: كما يشير بول كينيدي في نظريته حول "التمدد الإمبراطوري"، فإن تكلفة الحفاظ على الهيمنة العسكرية العالمية تبدأ في تجاوز العوائد الاقتصادية والسياسية، مما يؤدي إلى تآكل القوة من الداخل.

3.تحول طبيعة الصراع: الانتقال من الحروب بين الدول  إلى الحروب داخل الدول أو مع فواعل من غير الدول ، حيث يفقد التفوق التقني ميزته الحاسمة أمام تكتيكات الحرب غير المتماثلة.

إن استراتيجية الاستنزاف التي واجهتها واشنطن في المنطقة لم تكن مجرد صدفة عسكرية، بل كانت نتيجة حتمية لاصطدام منطق القوة بـ )منطق الأرض والهوية(. فبينما تقيس واشنطن نجاحها بعدد الأهداف المدمرة، تقيس القوى المحلية نجاحها بالقدرة على البقاء والاستمرار في المقاومة، مما يحول الزمن من عنصر محايد إلى سلاح فتاك في يد الخصوم الأقل قوة مادية.

ثانيا: المعادلة الثلاثية للتدخل الأمريكي

. تظهر قراءة متأنية لمسار التدخلات العسكرية الأمريكية خلال العقود الأخيرة أن الأمر لا يتعلق بردود فعل ظرفية أو استجابات معزولة لأزمات طارئة، بقدر ما يعكس بنية استراتيجية متماسكة تقوم على معادلة ثلاثية الأبعاد تستخدم لتسويق الحروب وتبريرها دوليا وضمان قبولها داخليا. هذه المعادلة، التي تتكرر بصيغ مختلفة من حرب إلى أخرى، تكشف عن تداخل عميق بين القوة الصلبة والناعمة، وبين المصالح الجيوسياسية والسرديات الأخلاقية، في إطار سعي مستمر للحفاظ على موقع الهيمنة في النظام الدولي.

في هذا السياق، يعد تصنيف بعض الدول ضمن ما يسمى )الدول المارقة( مدخلا مركزيا لإضفاء الشرعية على التدخل. فالدولة التي تخرج عن قواعد النظام الدولي كما تعرفها القوة المهيمنة، أو تهدد مصالحها الحيوية، تقدم باعتبارها مصدر خطر يجب احتواؤه أو إعادة تشكيله. غير أن الهدف يتجاوز مجرد تعديل السلوك السياسي، ليصل إلى إعادة هندسة البنية الداخلية للدولة المستهدفة بما يضمن عدم انحرافها مستقبلا عن الخطوط المرسومة. وهنا يصبح التدخل العسكري أداة لإعادة الضبط، وليس فقط وسيلة ردع، بما يحول السيادة الوطنية إلى متغير قابل لإعادة التشكيل وفق موازين القوة.

بالتوازي مع ذلك، يبرز البعد الجيوسياسي كعنصر حاسم في توجيه هذه التدخلات. فالمناطق التي تشهد حضورا عسكريا أمريكيا مكثفا ليست عشوائية، بل تتقاطع غالبا مع مراكز الثقل في الاقتصاد العالمي، سواء من حيث الطاقة أو الممرات التجارية أو الموقع الاستراتيجي. ويقدم هذا الحضور تحت غطاء حفظ الاستقرار أو حماية الأمن الدولي، غير أنه في العمق يهدف إلى ضمان تموقع دائم يسمح بالتحكم في التوازنات الإقليمية والتأثير في تدفقات الموارد الحيوية. وبهذا المعنى، يتحول الاستقرار إلى مفهوم مرن يعاد تعريفه بما يخدم استمرارية النفوذ، حتى وإن كان ذلك على حساب استقرار الدول المعنية نفسها.

أما البعد الثالث، فيتجلى في التوظيف المكثف للسرديات الأخلاقية والرمزية، حيث تستخدم مفاهيم مثل (نشر الديمقراطية) و(حقوق الإنسان) و(مكافحة الإرهاب) كأدوات لتعبئة الرأي العام وبناء إجماع داخلي وخارجي حول مشروعية التدخل. هذه السرديات لا تعمل فقط كغطاء تبريري، بل تشكل جزءا من القوة الناعمة التي ترافق العمل العسكري، وتمنحه بعدا قيميا يخفف من حدة الاعتراضات. غير أن هذا البناء السردي غالبا ما يصطدم بواقع السياسات البراغماتية، حيث تظهر تناقضات واضحة بين الخطاب والممارسة، خاصة عندما يتم دعم أنظمة لا تنسجم مع القيم المعلنة، أو عندما تؤدي التدخلات نفسها إلى نتائج عكسية تقوض تلك القيم.

ومن هنا يتكشف التناقض البنيوي في هذه المعادلة إذ بينما ترفع شعارات الاستقرار والأمن، تفضي اليات التدخل، خصوصا العسكرية منها، إلى تفكيك بنى الدولة وإضعاف مؤسساتها، ما يخلق فراغات أمنية وسياسية تتحول إلى بيئات خصبة لصراعات جديدة. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى إطالة أمد الأزمات، بل يفتح المجال أمام فاعلين غير تقليديين، ويغذي أنماطا من الحروب غير المتماثلة التي يصعب التحكم في مساراتها أو حسمها. وهكذا، تتحول التدخلات التي يفترض أن تنهي الفوضى إلى عامل من عوامل إنتاجها، في حلقة مفرغة تعيد إنتاج مبررات التدخل نفسها، وتكرس استدامة الصراع بدل حله. 

ثالثا: فخ الحروب غير المتماثلة واستراتيجية الاستنزاف

تعتمد العقيدة العسكرية الأمريكية تاريخيا على مبدأ (القوة النارية المكثفة)  لتفكيك الجيوش النظامية ومؤسسات الدولة المستهدفة في وقت قياسي. ومع ذلك، فإن هذا النجاح الأولي غالباً ما يكون البداية الحقيقية للفشل الاستراتيجي الممتد. ففي نماذج فيتنام والعراق وأفغانستان، أدى تفكيك الدولة إلى خلق فراغ أمني وسياسي واجتماعي هائل سرعان ما ملأته حركات مقاومة محلية أو تنظيمات عابرة للحدود.

هنا، ينتقل الصراع من )حرب نظامية( تحسمها التكنولوجيا والصواريخ الموجهة، إلى )حرب إرادات( تستنزف الموارد البشرية والمالية والنفسية للولايات المتحدة. إن التفوق العسكري المطلق لا يضمن الحسم في مواجهة خصم يمتلك ثلاثة عناصر جوهرية:

1.عامل الزمن: القدرة على خوض صراع طويل الأمد يتجاوز الدورة الانتخابية الأمريكية وصبر الرأي العام الداخلي.

2.التكيف مع الأرض: المعرفة العميقة بالجغرافيا الاجتماعية والميدانية التي تجعل من القوات الغازية أهدافاً مكشوفة وسهلة الاستنزاف.

3.الشرعية المحلية: الاستناد إلى سرديات وطنية أو دينية تمنح المقاتلين دافعا معنويا يتفوق على التدريب التقني للقوات النظامية.

إن مفارقة الاستنزاف تكمن في أن الولايات المتحدة تنفق مليارات الدولارات يوميا للحفاظ على وجودها، بينما لا يتطلب خصومها سوى تكلفة زهيدة لإدامة حالة اللااستقرار. هذا التباين في التكلفة  هو ما يجعل القوة العظمى قابلة للاستنزاف تدريجيا حتى تصل إلى نقطة الانسحاب الاضطراري كما حدث في كابول عام 2021.

رابعا: التدخل العسكري كوقود للظاهرة الجهادية

تشكل العلاقة بين التدخلات العسكرية الأمريكية وصعود الظاهرة الجهادية الراديكالية واحدة من أكثر الإشكالات تعقيدا في تحليل العلاقات الدولية المعاصرة، إذ لا يمكن فهم ديناميات العنف العابر للحدود دون استحضار هذا التفاعل الجدلي بين الفعل العسكري الخارجي والبنى الأيديولوجية المحلية. فمنذ نهاية الحرب الباردة، لم تعد التدخلات العسكرية مجرد أدوات لتحقيق أهداف جيوسياسية تقليدية، بل تحولت، في سياقات متعددة، إلى عوامل مولدة لبيئات عدم الاستقرار، ومحفزة لإعادة تشكل الفاعلين غير الدولتيين، وعلى رأسهم التنظيمات الجهادية التي أعادت صياغة خطابها وممارساتها في ضوء هذا الحضور العسكري المكثف.

لقد وجدت التنظيمات الجهادية، مثل )القاعدة( و)داعش(، في التدخل العسكري الأمريكي مادة خاما لإنتاج سردية أيديولوجية متماسكة تقوم على ثنائية الصراع مع )العدو البعيد(. هذه السردية لم تكن مجرد خطاب تعبوي، بل تحولت إلى إطار تفسيري شامل يعيد تأويل الأحداث السياسية والعسكرية باعتبارها استهدافا ممنهجا للعالم الإسلامي، وهو ما منح هذه التنظيمات قدرة كبيرة على استقطاب الأنصار وتبرير الجهاد. فمشاهد القصف، والانتهاكات المرتبطة بمراكز الاعتقال، والصور المتداولة عن الإذلال في السجون، لم تبق أحداثا معزولة، بل تم توظيفها ضمن الة دعائية فعالة أعادت إنتاجها بشكل مكثف في الفضاء الرقمي والإعلامي، لتتحول إلى رموز تعبئة عاطفية وأدوات لإعادة تشكيل الوعي الجمعي لدى فئات واسعة من الشباب.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال أن أثر التدخل العسكري لم يقتصر على تعزيز الخطاب الأيديولوجي، بل امتد ليشمل إعادة تشكيل البيئة الاجتماعية والسياسية الحاضنة. فالتدخلات العسكرية، خاصة حين تقترن بإسقاط أنظمة أو إضعاف مؤسسات الدولة، غالبا ما تفضي إلى فراغات أمنية وهشاشة مؤسساتية تتيح لهذه التنظيمات التمدد وإعادة التموضع. إن تفكك البنى التقليدية للسلطة، وغياب الثقة في الفاعلين السياسيين المحليين والدوليين، يفتح المجال أمام التنظيمات المتشددة لتقديم نفسها كبديل حام أو كقوة قادرة على فرض النظام، ولو عبر العنف. وفي كثير من الحالات، تتغذى هذه الدينامية على مشاعر الإقصاء والتهميش، حيث تجد بعض الفئات في الخطاب الجهادي تعبيرا عن غضبها ووسيلة للانتقام الرمزي من نظام دولي ينظر إليه باعتباره غير عادل.

كما أن الإحساس الجماعي بالاستهداف الثقافي والسياسي يشكل عنصرا مركزيا في هذا المسار، إذ يتجاوز أثر التدخل العسكري البعد المادي ليطال الهوية والانتماء. فحين يؤطر التدخل الخارجي باعتباره اعتداء على القيم والخصوصيات، تتعزز النزعات الانغلاقية، وتصبح الأرضية مهيأة لتقبل الخطابات التي تقوم على ثنائية (نحن) و(هم). وهنا تحديدا تتقاطع الأبعاد النفسية مع الأبعاد السياسية، حيث يتحول الإحباط الجماعي إلى طاقة قابلة للتعبئة، تستثمرها التنظيمات المتشددة لتوسيع قاعدتها الاجتماعية.

ومن جهة أخرى، ساهمت هذه التدخلات في نقل الظاهرة الجهادية من إطارها المحلي إلى فضاء عالمي مفتوح، حيث لم تعد مرتبطة بسياقات وطنية محددة، بل أصبحت جزءا من شبكة عابرة للحدود تتغذى على نفس السرديات وتستفيد من نفس الموارد الرمزية. لقد أدى هذا التحول إلى ما يمكن تسميته بـ(تدويل الجهادية)، حيث باتت العمليات والتجنيد والتخطيط تتم ضمن منطق شبكي معولم، يستفيد من التكنولوجيا الحديثة ومن هشاشة بعض الدول. وهكذا، بدل أن تؤدي المقاربة العسكرية إلى احتواء الظاهرة، ساهمت في إعادة إنتاجها بأشكال أكثر تعقيدا وانتشارا.

في ضوء ذلك، يتضح أن التدخل العسكري، بدل أن يكون أداة حاسمة لتجفيف منابع الإرهاب، قد يتحول، في ظل شروط معينة، إلى عنصر مغذ له، وهو ما يستدعي إعادة تقييم عميقة للسياسات المتبعة، والانتقال من منطق المعالجة الظرفية إلى منطق المقاربة الشمولية التي تعالج الظاهرة في جذورها لا في تجلياتها فقط.

خامسا: التحدي الإيراني.. نموذج الصراع المركب وإدارة الزمن 

يمثل التحدي الإيراني في علاقته بالولايات المتحدة نموذجا مركبا للصراع يتجاوز الأنماط الكلاسيكية التي واجهتها واشنطن مع أنظمة مثل نظام صدام حسين أو تجربة حركة طالبان، حيث استطاعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ قيامها عقب الثورة الإسلامية الإيرانية 1979 أن تبني نموذجا خاصا في إدارة الصراع يقوم على التداخل بين الأيديولوجيا والسياسة والجغرافيا. هذا النموذج يستمد قوته من شرعية ثورية ذات طابع عقائدي ترى في المواجهة مع ما تصفه بـ(الاستكبار العالمي) صراعا وجوديا، وهو ما يمنح النظام قدرة عالية على امتصاص الضغوط، خصوصا العقوبات الاقتصادية، وتحويلها إلى عنصر تعبئة داخلية بدل أن تكون عامل إضعاف. فالأيديولوجيا هنا لا تعمل فقط كمرجعية فكرية، بل كأداة استراتيجية لإعادة إنتاج الصمود وإطالة أمد المواجهة.

في هذا السياق، طورت طهران مفهوما متقدما للردع يتجاوز الشكل التقليدي القائم على التوازن العسكري المباشر، نحو ما يمكن تسميته بالردع متعدد المستويات، حيث تتكامل القدرات العسكرية النظامية، وخاصة في مجالي الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، مع شبكة نفوذ إقليمي ممتدة تشمل فاعلين غير دولتيين في عدة ساحات. هذه الشبكة، التي يشار إليها غالبا بمحور المقاومة، لا تمثل فقط امتدادا جغرافيا لنفوذ إيران، بل تشكل أداة استراتيجية لنقل الصراع خارج حدودها، وتوزيع كلفته على مسارح متعددة، بما يخلق حالة من التشتيت الاستراتيجي للخصم ويحد من قدرته على حسم المواجهة بشكل مباشر. وبهذا المعنى، يتحول الصراع من مواجهة ثنائية إلى منظومة صراعات مترابطة تتداخل فيها الجبهات وتتقاطع فيها المصالح.

إلى جانب ذلك، توظف إيران موقعها الجيوسياسي بفعالية ضمن ما يمكن وصفه بسلاح الجغرافيا، حيث يمنحها موقعها القريب من ممرات بحرية حيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب قدرة على التأثير في أمن الطاقة العالمي، وهو ما يرفع من كلفة أي تصعيد عسكري ضدها إلى مستويات قد تتجاوز الحسابات العسكرية نحو تداعيات اقتصادية عالمية. هذه الورقة الجيوسياسية تجعل من الصراع مع إيران ليس مجرد مواجهة إقليمية، بل معضلة دولية تتداخل فيها اعتبارات السوق والطاقة والاستقرار العالمي.

ضمن هذا الإطار، تعتمد طهران استراتيجية تقوم على إدارة الزمن أو ما يعرف بـ(النفس الطويل)، حيث لا تسعى إلى تحقيق انتصار سريع بقدر ما تراهن على استنزاف تدريجي لقدرات الخصم عبر تعدد الجبهات وتكتيكات الاستنزاف النقطي. هذا النمط من الصراع يضع الولايات المتحدة أمام معادلة معقدة، إذ تجد نفسها منخرطة في مواجهة مفتوحة زمنيا، تتاكل فيها الموارد السياسية والعسكرية دون تحقيق حسم واضح. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الحالة إلى شكل من أشكال الاستنزاف المتبادل، إلا أن ميزانها يميل تدريجيا لصالح الطرف الأكثر قدرة على الصبر والتكيف مع الضغوط، وهو ما أتقنته إيران من خلال مزيج من البراغماتية السياسية والصلابة الأيديولوجية.

بهذا المعنى، لا يمكن فهم التحدي الإيراني باعتباره مجرد خلاف جيوسياسي تقليدي، بل هو نموذج لصراع مركب يعيد تعريف قواعد الاشتباك، حيث تتداخل فيه عناصر القوة الصلبة والناعمة، وتتوزع أدواته بين الدولة والشبكات، ويتحول الزمن ذاته إلى مورد استراتيجي حاسم.

سادسا: آفاق المستقبل وتحولات موازين القوى في المنطقة 

تشير التحولات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط إلى أن مرحلة الهيمنة الأمريكية الأحادية، التي طبعت النظام الإقليمي منذ نهاية الحرب الباردة، دخلت طورا جديدا يتسم بإعادة التشكل أكثر مما يتسم بالانهيار الكامل. فواشنطن لم تنسحب من المنطقة بقدر ما أعادت تعريف أدوات حضورها، منتقلة من نموذج السيطرة المباشرة إلى نمط أكثر مرونة وبراغماتية، يقوم على تقليص الكلفة وتعظيم الفعالية. هذا التحول نحو ما يمكن تسميته بـ(الهيمنة المرنة) يعكس إدراكا عميقا داخل دوائر صنع القرار الأمريكي بأن الحروب التقليدية واسعة النطاق، كما حدث في العراق وأفغانستان، لم تعد قابلة للاستدامة سياسيا أو اقتصاديا، وأن إدارة النفوذ باتت تتطلب أدوات أقل ظهورا وأكثر دقة. لذلك أصبح الاعتماد على الشركاء الإقليميين، والحروب بالوكالة، والتفوق التكنولوجي خصوصا في مجالات الطائرات بدون طيار والذكاء الاصطناعي يشكل العمود الفقري لهذه الاستراتيجية الجديدة، بما يسمح بالحفاظ على التأثير دون الانخراط المباشر المكلف.

في المقابل، لم يأت هذا التحول في فراغ، بل تزامن مع صعود قوى إقليمية باتت تمتلك طموحات واضحة لإعادة صياغة موازين القوى وفق رؤاها الخاصة. فقد استطاعت دول مثل إيران وتركيا أن توظف الفراغات الناتجة عن تراجع الحضور الأمريكي المباشر لتعزيز نفوذها، سواء عبر أدوات صلبة كالتدخلات العسكرية المحدودة، أو عبر أدوات ناعمة وشبكية مثل بناء التحالفات المحلية ودعم الفاعلين غير الدولتيين. هذا الصعود الإقليمي لا يعكس فقط طموحات توسعية، بل يعبر أيضا عن تحولات بنيوية داخل هذه الدول نفسها، حيث باتت ترى في الإقليم مجالا حيويا لأمنها القومي، وليس مجرد فضاء للتفاعل الثانوي. وبالتوازي مع ذلك، دخلت قوى دولية منافسة مثل الصين وروسيا على خط التوازنات الإقليمية، كل وفق أدواته الخاصة فالصين تتقدم عبر الاقتصاد والاستثمار ومشاريع البنية التحتية، مقدمة نفسها كشريك تنموي بديل، بينما تعتمد روسيا على الحضور العسكري والدبلوماسية الصلبة لتعزيز موقعها كلاعب لا يمكن تجاوزه في معادلات الأمن الإقليمي.

هذا التعدد في مراكز القوة أنتج وضعاً إقليمياً أكثر تعقيداً، حيث لم تعد الدول مضطرة للاصطفاف الأحادي خلف قوة كبرى واحدة، بل باتت تمارس نوعاً من "التوازن الذكي" بين القوى المتنافسة، مستفيدة من التناقضات بينها لتعظيم مصالحها الوطنية. غير أن هذا الانفتاح على خيارات متعددة لا يخلو من مخاطر، إذ يؤدي في كثير من الأحيان إلى هشاشة في التحالفات وتقلب في الاصطفافات، مما يفاقم من حالة عدم اليقين الاستراتيجي في المنطقة. وفي ظل غياب نظام أمني إقليمي متماسك، يتحول هذا التعدد إلى مصدر تنافس مفتوح قد ينزلق بسهولة إلى صراعات غير مباشرة أو حروب بالوكالة.

ومن أبرز تجليات هذا الوضع المعقد ما يمكن تسميته بـ(معضلة الفراغ الأمني)، حيث إن أي تراجع أمريكي غير محسوب يخلق فجوات في منظومة الردع والضبط، سرعان ما تسعى قوى محلية أو تنظيمات غير دولية إلى استغلالها. فقد أثبتت التجارب السابقة أن البيئات الهشة، التي تتسم بضعف مؤسسات الدولة وتفككها، تشكل تربة خصبة لعودة التنظيمات الجهادية وإعادة إنتاج نفسها بأشكال جديدة. وهذا ما يضع الولايات المتحدة أمام خيارين كلاهما مكلف: إما الاستمرار في الانخراط لضمان الحد الأدنى من الاستقرار، أو الانسحاب مع ما يحمله ذلك من مخاطر تفاقم التهديدات الأمنية على المدى المتوسط والبعيد.

في هذا السياق، يمكن القول إن الشرق الأوسط لم يعد مجرد ساحة نفوذ لقوة مهيمنة، بل تحول إلى فضاء مفتوح لتفاعلات متعددة المستويات، تتداخل فيه المصالح الوطنية مع المشاريع الإيديولوجية، وتتشابك فيه الأبعاد المحلية مع الإقليمية والدولية. هذا الواقع الجديد يعكس انتقال النظام الإقليمي من حالة (<

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك