أنتلجنسيا:أبو جاسر
في كواليس بعيدة عن الأضواء، تتشكل ملامح مرحلة مفصلية في نزاع الصحراء، حيث كشفت معطيات دقيقة عن مفاوضات مغلقة تجري منذ أسابيع بين أطراف النزاع، تقودها الولايات المتحدة بشكل مباشر، في مسار غير مسبوق يوحي بأن الملف دخل مرحلة الحسم بعيداً عن المسارات التقليدية التي طالما رعتها الأمم المتحدة.
هذه اللقاءات، التي تنعقد بين مدريد وواشنطن، تتم تحت مستوى عالٍ من السرية، دون أي مظاهر دبلوماسية علنية، في مؤشر على حساسية اللحظة ورهاناتها الثقيلة. الحضور محدود، والنقاشات مكثفة، ما يعكس انتقال الملف من طاولة المفاوضات السياسية المفتوحة إلى غرف “إدارة الأزمات” حيث تُتخذ القرارات الكبرى بعيداً عن الضجيج الإعلامي.
المعطيات تشير إلى أن واشنطن لا تلعب دور الوسيط التقليدي، بل تمسك بخيوط العملية كـ“مايسترو” ينسق بين الرباط والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، مستندة إلى مقاربة مزدوجة تمزج بين الدبلوماسية والأمن. حضور أجهزة مثل مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الاستخبارات المركزية في بعض الجلسات يكشف أن الملف لم يعد يُنظر إليه كنزاع إقليمي فقط، بل كجزء من معادلة أمنية أوسع ترتبط باستقرار منطقة الساحل وموازين القوى في شمال إفريقيا.
على مستوى التمثيل، تحضر الأسماء الثقيلة، حيث يقود الوفد المغربي ناصر بوريطة مدعوماً بـعمر هلال، وبحضور أمني بارز يجسده ياسين المنصوري، في إشارة إلى أن الرباط تدفع بثقلها السياسي والأمني معاً. في المقابل، تشارك الجزائر بوفد يقوده أحمد عطاف، بينما تحضر جبهة البوليساريو وموريتانيا بتمثيل سياسي يواكب هذا المسار المعقد.
اللافت في هذا التحول هو التراجع النسبي لدور الأمم المتحدة، رغم حضور مبعوثها ستافان دي ميستورا، حيث يبدو أن القرار الدولي الأخير لمجلس الأمن أعاد ترتيب الأوراق، دافعاً نحو مقاربة أكثر واقعية تتمحور حول مقترح الحكم الذاتي الذي تدعمه الرباط. هذا المعطى يعزز فرضية أن واشنطن تسعى إلى فرض تسوية نهائية، مستفيدة من الظرفية الدولية والتوازنات الجديدة في المنطقة.
تحليل هذا المسار يكشف أن ما يجري ليس مجرد جولة تفاوضية، بل إعادة صياغة شاملة للملف، حيث تنتقل المعركة من الشرعية القانونية إلى ميزان القوة السياسية والأمنية. فحين تدخل أجهزة الاستخبارات على الخط، يصبح واضحاً أن الهدف يتجاوز الحل التوافقي إلى ضمان استقرار استراتيجي يخدم مصالح أوسع.
وبين سرية اللقاءات وثقل الأطراف المشاركة، تتجه الأنظار إلى مخرجات هذه “الغرف الموصدة”، التي قد تحمل مفاجآت كبرى تعيد رسم خريطة النزاع الذي دام عقوداً. وفي حال نجحت هذه المقاربة، فإن العالم قد يستفيق على واقع جديد، حيث لم تعد الصحراء مجرد ملف نزاع، بل ورقة استراتيجية حُسمت في صمت… وبقرار دولي محسوب بدقة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك