أنتلجنسيا:أبو جاسر
لم يعد موقع المغرب في مؤشرات الرفاه العالمي مجرد رقم عابر، بل تحول إلى مرآة تعكس اختلالات بنيوية متجذرة، بعدما حل في المرتبة 112 عالمياً ضمن تقرير تقرير السعادة العالمي 2026 من أصل 147 دولة، محافظاً على نفس موقعه مقارنة بالسنة الماضية، لكنه متراجع بخمس درجات عما كان عليه في 2024، في مؤشر واضح على ركود الإحساس العام بالرضا.
وحصل المغرب على معدل 4.46 من أصل 10، ليظل ضمن الثلث الأخير من الدول، في وقت تواصل فيه دول الشمال الأوروبي هيمنتها على قمة الترتيب، حيث جاءت فنلندا في الصدارة متبوعة بـأيسلندا ثم الدنمارك، بينما تذيلت القائمة أفغانستان، إلى جانب سيراليون ومالاوي، ما يضع المغرب في موقع حرج بين نماذج النجاح وأدنى مراتب الأزمات.
المعطيات المرتبطة بالمغرب تكشف مفارقة لافتة، إذ أن أحد أبرز العوامل التي دعمت هذا التقييم المتواضع هو استمرار قوة الروابط الاجتماعية، حيث لا يزال الشعور بالتكافل العائلي والمجتمعي يشكل صمام أمان نفسي للمغاربة، في ظل غياب بدائل مؤسساتية قوية.
في المقابل، يبرز عامل حرية اتخاذ القرار الفردي وتحسن متوسط العمر الصحي كعناصر إيجابية نسبياً، لكنها تظل غير كافية لتعويض الاختلالات الكبرى.
في الجهة المقابلة، يبرز الفساد كأحد أبرز العوامل التي تضرب الإحساس العام بالسعادة، إلى جانب ضعف مؤشرات الكرم المرتبطة بثقافة التبرع، وهو ما يعكس أزمة ثقة عميقة داخل المجتمع.
كما أن الوضع الاقتصادي، خاصة فيما يتعلق بنصيب الفرد من الناتج الداخلي الخام، يظل عاملاً ضاغطاً يحد من أي تحسن ملموس في جودة الحياة.
التقرير يلفت أيضاً إلى تأثير العالم الرقمي، حيث حذر من الانعكاسات السلبية للاستعمال المفرط لمواقع التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية، ورغم أن المغرب يسجل نسبة أقل نسبياً في هذا المجال مقارنة بدول مثل لبنان، إلا أن هذا العامل يبقى جزءاً من معادلة معقدة تؤثر على المزاج العام للمجتمع.
وعلى المستوى العربي، يحتل المغرب المرتبة 11، متأخراً عن دول مثل الإمارات العربية المتحدة والسعودية والكويت والبحرين وعمان، بل وحتى خلف دول تعاني من أزمات سياسية واقتصادية مثل ليبيا والجزائر والعراق وتونس وفلسطين، وهو ما يطرح تساؤلات حادة حول فعالية السياسات العمومية في تحسين جودة حياة المواطنين.
القراءة التحليلية لهذا الترتيب تكشف أن المغرب لا يعاني فقط من ضعف في المؤشرات الاقتصادية، بل من أزمة مركبة تمس الثقة، العدالة الاجتماعية، وجودة الخدمات، وهو ما يجعل السعادة بعيدة المنال بالنسبة لشرائح واسعة من المجتمع.
وبينما تستثمر دول أخرى في بناء رفاه شامل، يبدو أن المغرب لا يزال عالقاً في دائرة إصلاحات غير مكتملة، حيث تتحول السعادة من هدف قابل للتحقيق إلى مؤشر يكشف عمق الأزمة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك