الوطن لا يُحمى بتخوين أبنائه..في تفكيك خطاب التخوين الذي يحوّل رفض الحرب إلى تهمة سياسية في المغرب

الوطن لا يُحمى بتخوين أبنائه..في تفكيك خطاب التخوين الذي يحوّل رفض الحرب إلى تهمة سياسية في المغرب
مقالات رأي / الثلاثاء 17 مارس 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم:محمد الغفري/فاعل حقوقي/الثلاثاء 17 مارس 2026

في كل أزمة دولية كبرى، يعاود خطاب التخوين الظهور في المغرب بقوة تفوق أحياناً خطورة الأزمة نفسها. يقسم المجتمع إلى "وطنيين" و"خونة"، "مخلصين" و"عملاء"، وكأن الوطنية أصبحت ملكية حصرية يمنحها البعض ويسحبها عن مخالفيهم.

منذ بدأ العدوان الصهيو امريكي على إيران في 28 فبراير 2026، برزت أصوات في الفضاء العمومي المغربي تتهم كل من يرفض الحرب، أو يتحفظ على الاصطفاف فيها، بأنه "متأيّرن" أو "طابور خامس" أو "خائن للوطن". هذه ليست مجرد مبالغة بلاغية، بل انزلاق خطير نحو الإقصاء السياسي والتحريض الاجتماعي.

*رفض الحرب موقف مشروع  

التاريخ مليء بأمثلة على مثقفين وسياسيين عارضوا حروباً كبرى دون أن يُوصموا بالخيانة. الدعوة إلى السلم، والتحذير من مخاطر الانخراط في صراعات معقدة، قد تكون في كثير من الأحيان تعبيراً عن حرص حقيقي على استقرار الوطن ومصالحه، لا عن ضعف أو تبعية.

المشكلة الجوهرية في خطاب التخوين أنه يرتكب مغالطة قاتلة: تحويل الخلاف السياسي إلى خيانة وطنية. بدلاً من مناقشة الحجج والمصالح الاستراتيجية، يُلجأ إلى نزع الشرعية عن الطرف الآخر عبر وصمه بالعمالة. هكذا يُقتل النقاش الحقيقي قبل أن يبدأ.

*الأخطر: صناعة "عدو داخلي" 

عندما يُقدَّم مواطنون مغاربة – فقط لأنهم يعارضون الحرب – على أنهم في خندق العدو، نكون أمام إعادة تعريف إقصائية للوطنية: إما أن توافق على رأيهم ، وإما تُوضع في دائرة الشبهة. هذا المنطق يعيد إنتاج أساليب قديمة ثبت فشلها في حماية الوحدة الوطنية.

الوطنية الحقيقية لا تُقاس بالحماس للحرب أو المزايدة في العداء، بل بمدى احترام وحدة المجتمع وحق الاختلاف. القوة الحقيقية للدولة تأتي من تعدد الآراء وتنافس الأفكار، لا من صوت واحد يحتكر الحقيقة.

*توظيف الدين في الصراع السياسي 

استخدام اللغة المذهبية أو الدينية لتوصيف صراع جيوسياسي يُفاقم الانقسام ويُغذي حساسيات لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية. الصراعات الدولية ليست حروباً عقائدية، وتحويلها إلى ذلك لا يخدم إلا التعبئة العمياء.

المغرب، بتنوعه الثقافي وتاريخه السياسي، لا يُدار بمنطق الفرز العقائدي. دستور 2011 يكفل حرية الفكر والرأي والتعبير، وهذا ليس مجرد نص قانوني، بل ضمانة أساسية للسلم الاجتماعي ومنع الاستقطاب الحاد.

*السؤال الحاسم:من يخدم الوطن أكثر؟  

- المواطن الذي يعبر عن رأيه بحرية، حتى لو خالف الرأي الرسمي أو السائد؟  

- أم الخطاب الذي يُحرّض على تخوين جزء من الشعب وإقصائه من دائرة الوطن؟

التاريخ يعلّم أن المجتمعات التي تتحمل الاختلاف وتدير خلافاتها بالحجة هي الأقدر على الصمود. أما تلك التي تتحول فيها السياسة إلى محاكم تفتيش، فتفتح أبواب انقسامات طويلة الأمد.

*الدفاع عن حرية التعبير دفاع عن الوطن

الدفاع عن حق المغاربة في التعبير عن مواقفهم من الحروب ليس دفاعاً عن طرف أجنبي، بل دفاع عن المجال العمومي المغربي نفسه: مجال مفتوح للنقاش الحر، لا ساحة للاتهامات المتبادلة ولا منصة لفتاوى التخوين.

هذا المبدأ لا يتعارض مع المواثيق الدولية فحسب (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان – المادة 19، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية)، بل يتسق تماماً مع دستور 2011 الذي يكفل حرية الرأي والتعبير. تجريم المواقف السلمية أو التحريض على معاقبة أصحابها يمس جوهر الدولة القانونية والتعددية.

* ختاماً

قد نختلف في تقدير المصالح الوطنية في عالم مضطرب، لكن هناك خط أحمر لا يجوز تجاوزه


لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك