حين يُقنَّن الصمت..قانون جديد يُسقِط شكايات الفساد ويُحصّن المسؤولين

حين يُقنَّن الصمت..قانون جديد يُسقِط شكايات الفساد ويُحصّن المسؤولين
ديكريبتاج / الإثنين 02 فبراير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:فتيحة الوديع

دخلت شكايات الفساد التي رفعتها جمعيات حقوقية ومدنية خلال السنوات الماضية مرحلة السقوط المتتالي، لا بفعل أحكام قضائية فاصلة، بل نتيجة تفعيل مقتضيات المسطرة الجنائية الجديدة التي أغلقت الباب أمام المجتمع المدني في التبليغ عن الجرائم المالية، في خطوة اعتبرها فاعلون حقوقيون انقلابًا تشريعيًا على أحد آخر منافذ الرقابة الشعبية على تدبير المال العام.

في هذا السياق، توصلت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بإشعار رسمي من الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالرباط، يفيد بحفظ الشكاية التي سبق أن تقدمت بها سنة 2021 ضد وزير الصحة السابق ووالي جهة فاس مكناس الحالي، خالد آيت الطالب، بخصوص شبهات اختلاس وتبديد أموال عمومية. وعللت النيابة العامة قرارها بوجود القيد القانوني الوارد في المادة الثالثة من قانون المسطرة الجنائية، التي تمنع الجمعيات من التبليغ عن الفساد.

القرار فجّر موجة استغراب داخل الأوساط الحقوقية، ليس فقط بسبب مضمونه، بل بسبب توقيته ومنطقه القانوني. فالشكاية، التي وُضعت في ظل مسطرة جنائية قديمة كانت تخول للجمعيات حق التبليغ، ظلت حبيسة الرفوف لأكثر من أربع سنوات، قبل أن تُحفظ مباشرة بعد دخول القانون الجديد حيز التنفيذ، ما فتح الباب أمام اتهامات صريحة بتوظيف الزمن التشريعي لإغلاق ملفات حساسة بدل الحسم فيها.

وفي تعليق قانوني لافت، اعتبر المحامي مصطفى المنوزي أن ما جرى يطرح إشكالات قانونية جوهرية، متسائلًا عن مبررات تطبيق قانون جديد بأثر فوري على شكاية قُدمت قبل سنوات، في تعارض صريح مع مبدأ عدم رجعية القوانين، ومثيرًا في الآن ذاته مسألة الاختصاص، باعتبار أن الشكاية موجهة ضد وزير، ما يطرح سؤال الجهة القضائية المخول لها البت فيها.

ولا ينفصل هذا التطور عن الجدل الواسع الذي رافق المصادقة على المادة الثالثة من قانون المسطرة الجنائية، والتي وُوجهت برفض حقوقي وسياسي ونقابي واسع، باعتبارها تضييقًا ممنهجًا على دور المجتمع المدني في محاربة الفساد، ووسيلة قانونية لتحصين المسؤولين من المساءلة، عبر تجفيف منابع التبليغ وإفراغ آليات الرقابة من مضمونها. ورغم الاحتجاجات والدعوات المتكررة لإحالة النص على المحكمة الدستورية، مرّ القانون دون تعديل، ليبدأ اليوم في حصد أولى نتائجه العملية.

وبينما تُرفع شعارات ربط المسؤولية بالمحاسبة في الخطاب الرسمي، يكشف هذا المسار عن مفارقة صارخة، حيث تتحول النصوص القانونية إلى أدوات لإغلاق الملفات بدل فتحها، ولإسكات المبلّغين بدل حماية المال العام، في مشهد يعيد طرح السؤال الجوهري: هل اختارت الدولة محاربة الفساد، أم فقط إعادة تنظيمه بقواعد أكثر صرامة… في وجه من يجرؤ على كشفه؟

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك