مأزق المتخيل السياسي..دراسة نقدية في أنماط تعاطي الحركات الإسلامية المعاصرة مع مفهوم الخلافة

مأزق المتخيل السياسي..دراسة نقدية في أنماط تعاطي الحركات الإسلامية المعاصرة مع مفهوم الخلافة
ديكريبتاج / السبت 31 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي

المقدمة:الإشكال العام وأزمة الخلافة في الفكر المعاصر

تعتبر إشكالية الخلافة من أكثر القضايا تعقيدا وإرباكا في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر. فبعد إلغاء الخلافة العثمانية في عام 1924، تحول المفهوم من كونه نظاما فقهيا للحكم، تتناوله كتب الأحكام السلطانية، إلى مفهوم رمزي محمل بدلالات أيديولوجية عميقة. لم تعد الخلافة مجرد مسألة تنظيمية، بل أصبحت رمزا للخلاص التاريخي، وأداة تعبئة أيديولوجية لمواجهة الدولة القطرية الحديثة، بل وأحيانا تستخدم كـتعويض نفسي عن الهزيمة الحضارية التي يعيشها العالم الإسلامي .

هذا التحول الرمزي هو ما يفسر التناقضات الجذرية في تعاطي الحركات الإسلامية مع المفهوم. فبينما تتفق أغلب هذه الحركات على أن الخلافة (حقيقة واجبة) و(غاية نهائية)، فإنها تختلف جذريا في طريق الوصول إليها وفي طبيعتها المتخيلة. هذا التباين ينتج ثلاثة أنماط رئيسية للتعاطي مع الخلافة، تتراوح بين المثالية الأخلاقية، والجمود الخطابي، والجهاد العسكري.

تهدف هذه الدراسة إلى تفكيك هذه الأنماط المتناقضة، والكشف عن العلل البنيوية المشتركة التي تحول دون تحويل مفهوم الخلافة إلى برنامج حكم واقعي يتوافق مع شروط الدولة الحديثة. وتعتمد الدراسة على منهج مركب يجمع بين الوصف التحليلي والمقارنة النقدية لثلاثة نماذج تمثل هذه الأنماط: جماعة العدل والإحسان (النموذج التربوي)، حزب التحرير (النموذج الخطابي)، والسلفية الجهادية (النموذج العسكري).

المبحث الأول: الخلافة كأفق أخلاقي-تربوي: نموذج العدل والإحسان

تمثل جماعة العدل والإحسان، التي أسسها عبد السلام ياسين، نموذجا لتيار يرى أن الخلافة هي نتيجة حتمية لـالتحول المجتمعي القائم على التزكية والتربية. لقد بنت الجماعة مشروعها على مبدأ (الإنسان قبل السلطان)، حيث ترفض الجهاد المسلح وتراهن على القومة بوصفها فعلا أخلاقيا-سياسيا غير عنيف، ينبع من يقظة مجتمعية شاملة .

في هذا النموذج، تتحول الخلافة إلىوعد أخلاقي أكثر منها مشروع دولة محدد المعالم. هي أفق بعيد، مرتبط بتحقيق شرط أخلاقي وتربوي شامل. ولذلك، يمكن توصيف هذا النموذج بـالخلافة المؤجلة أو الخلافة القيمية.

الإشكال المركزي في هذا النموذج:

يتمثل الإشكال في غياب تصور عملي واضح ومحدد لـكيفية الانتقال من التربية إلى السلطة. فهل الخلافة هي نتيجة تلقائية للتزكية؟ وكيف يمكن لـالقومة الأخلاقية أن تتحول إلى آليات حكم مؤسساتية في دولة حديثة؟ هذا الغموض يجعل الخلافة في أدبيات الجماعة أقرب إلى يوتوبيا أخلاقية، تفتقر إلى برنامج حكم سياسي واضح المعالم، مما يترك فجوة بين الغاية النبيلة والوسيلة الواقعية. 

منذ تأسيسها، قدّمت جماعة العدل والإحسان نفسها بوصفها مشروعًا تغييريًا طويل النفس، يقوم على مركزية التربية الإيمانية باعتبارها المدخل الحاسم لأي تحول سياسي أو مجتمعي. غير أن مرور أكثر من أربعة عقود دون تحقق “التمكين” أو “القومة” كما تتصورها الجماعة، يطرح سؤالًا مركزيًا: لماذا لم يتحول هذا التأخر إلى موضوع نقاش داخلي صريح؟

الجواب لا يكمن في الظرف السياسي وحده، بل في عمق الفرضية المؤسِّسة للمشروع.

المبحث الثاني: الخلافة كشعار سياسي مجرّد: نموذج حزب التحرير

على النقيض من النموذج التربوي، يتمسك حزب التحرير، الذي أسسه تقي الدين النبهاني، بالخلافة بوصفها فرضا شرعيا وغاية نهائية يجب العمل على إقامتها فورا . لكن منهج الحزب يرفض الكفاح المسلح، ويعتمد على التثقيف السياسي والتعبئة الفكرية داخل الأمة، معتمدا على الاستنصار كآلية للتغيير.

يمكن تسمية هذا النموذج بـالخلافة الخطابية أو الخلافة الشعاراتية. فالحزب يمتلك تنظيرا فقهيا وسياسيا مفصلا لنظام الحكم الإسلامي (الخلافة)، لكنه لا يراكم قوة اجتماعية حقيقية ولا يمتلك أدوات تمكين واقعية على الأرض.

الإشكال المركزي في هذا النموذج:

تكمن الأزمة في الفجوة الضخمة بين الخطاب العالي الذي يرفع شعار الخلافة كحل وحيد، والفعل السياسي العقيم الذي لا يتجاوز حدود التنظير والبيانات. لقد تحولت الخلافة في هذا السياق إلى شعار ثابت خارج الزمن والتحولات، مما يجعله غير قادر على التفاعل مع التعقيدات السياسية للدولة القطرية الحديثة. هذا الجمود الخطابي يمنع الحزب من تطوير أدوات عمل سياسي واقعية، ويحصر دوره في إطار المعارضة الفكرية المجردة.

المبحث الثالث: الخلافة بالقوة والتمكين: نموذج السلفية الجهادية

حاولت التيارات السلفية الجهادية، وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، حسم الإشكال عمليا عبر الانتقال من التنظير إلى السيطرة المباشرة وإعلان الخلافة. لقد مثل هذا التيار محاولة لـتجسيد الخلافة في الواقع عبر القوة والتمكين العسكري، متجاوزا بذلك جمود حزب التحرير وتردد العدل والإحسان.

ميزة هذا التيار هي وضوح الطريق (الجهاد والسيطرة العسكرية) والانتقال السريع من الفكرة إلى الفعل. ولذلك، يمكن توصيفه بـالخلافة القسرية أو الخلافة العسكرية.

الإشكال المركزي في هذا النموذج:

كان الثمن باهظا، حيث أدى هذا الاختزال إلى صدام شامل مع المجتمع والدولة والعالم، وكشف عن هشاشة سياسية وفشل ذريع في بناء دولة مستقرة. يكمن الخلل في اختزال الخلافة في السيطرة العسكرية، وتجاهل أركان أساسية للدولة الحديثة، وهي:

1.الشرعية المجتمعية: التي لا تكتسب بالقوة بل بالقبول والتوافق.

2.البناء المؤسسي: الذي يتجاوز الإدارة العسكرية إلى إدارة التنوع وفصل السلط.

3.التعقيد الدولي: الذي لا يسمح بظهور كيانات تتحدى النظام العالمي بهذه الطريقة.

المبحث الرابع: العلل البنيوية المشتركة وأزمة الفكر السياسي

رغم التناقض الظاهر في المنهج بين النماذج الثلاثة، إلا أنها تشترك في ثلاث علل بنيوية تفسر مأزقها المشترك في التعاطي مع الخلافة:

1. غياب تصور الدولة الحديثة

تستحضر الحركات الإسلامية الخلافة كنموذج تاريخي، لكنها تفشل في استيعاب التحولات التي طرأت على مفهوم الدولة منذ القرن السابع عشر. الخلافة في تصورها تقدم كبديل للدولة القطرية، لكنها تفتقر إلى الأركان الأساسية للدولة الحديثة، وهي:

المؤسسات الدستورية: غياب الفصل الواضح بين السلطات (التشريعية، التنفيذية، القضائية).

إدارة التنوع: صعوبة استيعاب مفهوم المواطنة المتساوية لغير المسلمين أو المخالفين فكريا.

الشرعية الرشيدة: الاعتماد على الشرعية الدينية أو التاريخية دون تطوير آليات ديمقراطية للمحاسبة والتداول السلمي للسلطة .

2. التعامل مع الخلافة كـ(حل سحري)

تقدم الخلافة في خطاب هذه الحركات كـجواب شامل وحل سحري لجميع مشكلات الأمة: للفساد، للاستبداد، وللتبعية الدولية. هذا التقديم يغفل عن أن الخلافة، كنظام حكم، هي مجرد إطار يحتاج إلى شروط واقعية لتحقيقه، بما في ذلك التنمية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، والبناء المؤسسي. هذا التفكير السحري يعفي الحركات من معالجة شروط الواقع المعقدة، ويجعلها تهرب من التحديات الملموسة إلى اليوتوبيا المتخيلة.

3. القطيعة مع سؤال الإمكان

تتجنب أغلب الحركات الإسلامية طرح سؤال الإمكان الحقيقي: هل الخلافة ممكنة اليوم؟ وبأي صيغة؟ وتحت أي شروط دولية وداخلية؟ الخلافة عند هذه الحركات ليست برنامج حكم قابل للتطبيق العملي، بل هي مرآة لأزمة الفكر السياسي الإسلامي الذي لم يستطع بعد التوفيق بين المرجعية الدينية ومتطلبات العصر. ولهذا، تتأرجح هذه الحركات بين:

حلم أخلاقي (العدل والإحسان).

شعار جامد (حزب التحرير).

عنف مدمر (السلفية الجهادية).

الخاتمة: نتائج الدراسة 

لقد كشفت هذه الدراسة النقدية المقارنة عن أن إشكالية الخلافة في الفكر الإسلامي المعاصر لا تكمن في المفهوم بحد ذاته، بل في مأزق المتخيل السياسي للحركات التي تتبناه.

أولا: نتائج الدراسة

1.تحول مفهوم الخلافة من إطار فقهي إلى رمز أيديولوجي يستخدم كأداة تعبئة، مما أدى إلى تضخيم دلالاته الرمزية على حساب دلالاته المؤسساتية.

2.أنتج هذا التحول ثلاثة أنماط متضاربة للتعاطي مع الخلافة: الخلافة المؤجلة (العدل والإحسان)، الخلافة الخطابية (حزب التحرير)، والخلافة القسرية (السلفية الجهادية).

3.تشترك هذه الأنماط في علل بنيوية ثلاث: غياب تصور واضح للدولة الحديثة، والتعامل مع الخلافة كحل سحري، والقطيعة مع سؤال الإمكان السياسي والواقعي.

4.الخلافة في خطاب هذه الحركات هي في جوهرها تعبير عن أزمة الفكر السياسي الإسلامي في استيعاب الحداثة السياسية، وليست برنامج حكم متكامل.


لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك