أنتلجنسيا:أبو جاسر
قبل أيام قليلة من حلول عيد الفطر، وجد المواطن المغربي نفسه أمام واقع اقتصادي قاسٍ يطغى عليه الغلاء المتصاعد وفوضى الأسعار في الأسواق، حيث تحولت فترة يفترض أن تكون مناسبة للفرح والتضامن العائلي إلى لحظة قلق اجتماعي بسبب الارتفاع المتتالي في أسعار المواد الغذائية الأساسية والخضر والفواكه وحتى السمك الشعبي الذي كان يوماً ملاذ الفئات البسيطة.
في مختلف الأسواق المغربية، من المدن الكبرى إلى الأحياء الشعبية، تتكرر الشكاوى نفسها: أسعار الخضر ترتفع بلا سقف واضح، الفواكه أصبحت شبه بعيدة عن موائد كثير من الأسر، فيما سجل السردين، الذي يعتبر تقليدياً “سمك الفقراء”، زيادات مفاجئة جعلته بدوره خارج قدرة العديد من المواطنين. هذا المشهد يعكس حالة من الفوضى التجارية التي تتفاقم مع اقتراب الأعياد، حيث يرتفع الطلب وتتضاعف المضاربات في غياب مراقبة فعالة للأسعار.
لكن ما زاد من تعقيد الوضع الاقتصادي للأسر المغربية هو الارتفاع الأخير في أسعار الوقود، إذ شهدت أسعار المازوت والبنزين زيادات جديدة وصلت إلى حوالي درهمين للمازوت ودرهم ونصف للبنزين، وهي قفزة جديدة جاءت في سياق اضطراب الأسواق العالمية للطاقة على خلفية التوترات الإقليمية، خصوصاً الحرب الدائرة بين إيران وعدد من القوى الدولية.
ورغم أن تقلبات السوق الدولية تظل عاملاً مؤثراً في أسعار الطاقة، فإن الأثر المباشر لهذه الزيادات يقع في النهاية على المستهلك المغربي، إذ تنتقل كلفة المحروقات بسرعة إلى أسعار النقل والتوزيع، ثم إلى كل المنتجات المعروضة في الأسواق، ما يجعل موجة الغلاء تمتد من محطات الوقود إلى أبسط السلع اليومية.
هذا الوضع أعاد إلى الواجهة النقاش حول قدرة الحكومة المغربية على حماية القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصاً في الفترات الحساسة مثل الأعياد والمناسبات الاجتماعية، حيث ترتفع المصاريف العائلية بشكل طبيعي. غير أن ما يثير استياء شريحة واسعة من المواطنين هو التباين الواضح بين الخطاب السياسي الذي يتحدث عن تحسين مستوى العيش وبين الواقع الاقتصادي الذي يعيشه المواطن يومياً في السوق.
فالرسائل الرمزية التي تروجها الحكومة، مثل شعار “تستاهلو أحسن”، تبدو بالنسبة لكثير من المغاربة بعيدة عن معاناتهم اليومية مع الغلاء المتزايد. إذ يشعر المواطن البسيط بأن الأرقام الاقتصادية والخطابات الرسمية لا تنعكس فعلياً على حياته اليومية، خصوصاً عندما يجد نفسه عاجزاً عن توفير أبسط مستلزمات العيد لأسرته.
كما أن غياب مراقبة صارمة للأسواق يساهم في تعميق هذا الشعور بالإحباط. فالكثير من التجار يستغلون ارتفاع الطلب وضعف الرقابة لرفع الأسعار بشكل عشوائي، بينما تبدو آليات الضبط الحكومي محدودة التأثير على أرض الواقع، وهو ما يفتح الباب أمام المضاربة والاحتكار في عدد من القطاعات.
في ظل هذه المعطيات، يرى مراقبون أن الأزمة الحالية ليست مجرد موجة غلاء عابرة، بل مؤشر على خلل أعمق في توازن السوق وفي السياسات الاقتصادية المرتبطة بحماية المستهلك. فبدون تدخلات واضحة تشمل تشديد مراقبة الأسعار، وضبط سلاسل التوزيع، واتخاذ إجراءات فعلية لدعم القدرة الشرائية، سيظل المواطن المغربي الحلقة الأضعف في معادلة اقتصادية تتقلب فيها الأسعار بسرعة بينما تظل الأجور شبه جامدة.
وهكذا، وبين استعداد الأسر لاستقبال عيد يفترض أن يكون مناسبة للفرح والتكافل، يجد كثير من المغاربة أنفسهم في مواجهة سؤال بسيط لكنه ثقيل المعنى: كيف يمكن الاحتفال بالعيد في ظل أسواق تشتعل بالأسعار وجيوب تزداد فراغاً يوماً بعد يوم؟
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك