50 مليار درهم تحت مجهر الحسابات وبرنامج تقليص الفوارق يفشل في إقناع الرقابة الدستورية

50 مليار درهم تحت مجهر الحسابات وبرنامج تقليص الفوارق يفشل في إقناع الرقابة الدستورية
ديكريبتاج / السبت 31 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو جاسر

حينما دخل المجلس الأعلى للحسابات على خط تقييم برنامج تقليص الفوارق المجالية، لم يكن الأمر يتعلق فقط بتدقيق مالي روتيني، بل بتشريح عميق لواحد من أضخم الأوراش الاجتماعية التي راهنت عليها الدولة.

خلاصات التقرير الأخير جاءت صادمة في مضمونها، إذ كشفت أن استثمارا عموميا ناهز 50 مليار درهم لم يترجم إلى أثر اجتماعي بحجم الوعود المعلنة، ما فتح نقاشا حادا حول نجاعة السياسات العمومية وحدود اختياراتها.

وأبرز ذات التقرير،  أن الفلسفة التي حكمت تنزيل هذا البرنامج مالت بشكل واضح نحو المقاربة الطرقية، حيث ابتلعت المسالك والطرق القروية أكثر من 71 في المائة من الغلاف المالي، مقابل حضور محتشم للقطاعات الاجتماعية الحيوية.

فالصحة لم تحظ سوى بنحو 3 في المائة من الاعتمادات، بينما لم يتجاوز نصيب التعليم 10 في المائة، رغم أن هذين القطاعين يشكلان جوهر أي تنمية قادرة على تحسين شروط العيش وتقليص الهشاشة.

هذا التفاوت في توزيع الموارد يعكس، بحسب التقرير، تصورا للتنمية يركز على تسهيل التنقل أكثر من الاستثمار في الإنسان والخدمات الأساسية.

ولم يقف الخلل عند حدود الاختيارات المالية، بل امتد إلى عدالة الاستهداف المجالي، حيث أظهرت المعطيات أن جماعات أقل هشاشة استفادت بشكل أوضح من تدخلات البرنامج، في حين ظلت الجماعات الأكثر فقرا وعزلة في موقع المتلقي الهش أو المحدود.

هذا الواقع يطرح تساؤلات محرجة حول معايير انتقاء المشاريع وكيفية توجيهها، ومدى انسجامها مع الهدف المعلن المتمثل في تقليص الفوارق بدل إعادة إنتاجها بصيغ أخرى.

كما سجل التقرير مفارقة أخرى تمثلت في إنجاز مشاريع لم ترَ طريقها إلى الاستغلال، إذ بقي حوالي 8 في المائة من المنشآت المنجزة، خاصة في مجالي الصحة والتعليم، خارج الخدمة بسبب غياب الموارد البشرية أو التجهيزات الضرورية.

هذا الوضع، يعكس ضعف التنسيق بين المتدخلين، ويبرز خللا بنيويا في الربط بين بناء البنيات التحتية وتوفير شروط تشغيلها واستدامتها.

أما على مستوى التنفيذ، رصد المجلس الأعلى للحسابات اختلالات مرتبطة بإسناد عدد مهم من المشاريع لفاعلين محليين دون مراعاة كافية لقدراتهم التقنية والتدبيرية، ما ساهم في تأخر الإنجاز وضعف التتبع.

كما سجل التقرير حالات انطلقت فيها الأشغال دون استكمال الدراسات التقنية أو تسوية الإشكالات العقارية والتراخيص، وهو ما أدى إلى تعثر أو تجميد بعض المشاريع.

ومن حيث الالتزامات المالية، فرغم تسجيل نسب التزام مرتفعة، فإن الأداء الفعلي لم يتجاوز 84 في المائة، في مؤشر على صعوبات مرتبطة بتعبئة الموارد واستمرارية التمويل لدى عدد من الشركاء، وهو ما أثر بشكل مباشر على وتيرة تنفيذ المشاريع على الأرض.

وفي الأخير، خلص التقرير إلى أن جوهر الإشكال لا يكمن في حجم الأموال المرصودة، بل في منهجية التدخل نفسها، حيث إن التركيز على الصيانة وإعادة التأهيل، بدل إحداث بنيات جديدة ذات أثر تحويلي، حدّ من قدرة البرنامج على إحداث تغيير بنيوي حقيقي في المناطق المستهدفة.

وهو ما جعل حصيلته، رغم ضخامته، دون سقف التطلعات المعلنة، ومؤجلا لتحقيق عدالة مجالية فعلية في غياب مراجعة عميقة لخيارات الحكامة والتخطيط والتنفيذ.

وفي أفق أوسع، يضع هذا التقرير التجربة المغربية ضمن إشكالية عالمية تعاني منها العديد من الدول النامية، حيث يتم الخلط بين ضخامة الاستثمار وفعاليته الاجتماعية.

فالتنمية الترابية، كما يخلص المجلس الأعلى للحسابات، لا تقاس بعدد الكيلومترات المعبدة أو المباني المشيدة، بل بقدرتها على تحسين الولوج المستدام للخدمات الأساسية، وتقليص التفاوتات، وترسيخ الثقة بين المواطن والسياسات العمومية، وهو السؤال الجوهري الذي أعاد التقرير طرحه بقوة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك