من جنيف إلى تمارة..خطاب رسمي عن حقوق الإنسان يقابله ملف شائك للمعتقلين الإسلاميين

من جنيف إلى تمارة..خطاب رسمي عن حقوق الإنسان يقابله ملف شائك للمعتقلين الإسلاميين
ديكريبتاج / الإثنين 16 مارس 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو جاسر

عاد ملف المعتقلين الإسلاميين في المغرب إلى واجهة النقاش الحقوقي بعد الكلمة التي ألقاها وزير العدل عبد اللطيف وهبي أمام اللجنة الأممية المعنية بحالات الاختفاء القسري في جنيف، حيث قدم عرضاً يركز على التحولات التي عرفها المغرب في مجال حقوق الإنسان، معتبراً أن البلاد قطعت مع ممارسات الماضي وأن الاختفاء القسري أصبح ظاهرة مرتبطة بمرحلة تاريخية مضت.

غير أن بياناً صادراً عن التنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الإسلاميين بالمغرب قدم قراءة مغايرة لهذا الخطاب، معتبراً أن الرواية الرسمية التي قُدمت أمام الهيئات الدولية لا تعكس بالكامل تعقيدات الواقع الحقوقي المرتبط بملف المعتقلين الإسلاميين، خصوصاً أولئك الذين تم توقيفهم أو متابعتهم في سياق الأحداث الأمنية التي عرفها المغرب بعد سنة 2003.

ويشير البيان إلى أن الحديث عن طي صفحة الاختفاء القسري يتعارض، في نظر أصحابه، مع ما يصفونه باستمرار تداعيات مرحلة أمنية حساسة أعقبت تفجيرات الدار البيضاء سنة 2003، والتي شهدت اعتقالات واسعة داخل أوساط التيار الإسلامي. ويؤكد أصحاب البيان أن تلك الفترة تميزت بعمليات توقيف واحتجاز يعتقد أنها جرت في ظروف استثنائية، من بينها الاحتجاز المؤقت في مركز تمارة قرب الرباط، وهو الموقع الذي أثار جدلاً واسعاً في تقارير حقوقية دولية خلال تلك المرحلة.

وبحسب الوثيقة، فإن عدداً من المنظمات الدولية، من بينها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، سبق أن أشارت في تقاريرها إلى مزاعم تتعلق بوجود حالات احتجاز خارج المساطر القانونية خلال تلك الفترة، وهو ما دفع لاحقاً إلى فتح نقاش واسع حول طبيعة المقاربة الأمنية التي اعتمدتها الدولة في مواجهة التهديدات الإرهابية.

ويرى أصحاب البيان أن المقارنة بين خطاب المسؤولين الرسميين أمام الهيئات الدولية والواقع الذي عاشه عدد من المعتقلين الإسلاميين تبرز ما يعتبرونه فجوة بين المسار الرسمي للمصالحة وملفات لم تحسم بشكل كامل بعد. ويشيرون إلى أن تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة، التي اعتُبرت خطوة أساسية في معالجة انتهاكات الماضي، ركزت أساساً على ضحايا ما يعرف بسنوات الرصاص، بينما يرى بعض الفاعلين الحقوقيين أن ملفات مرتبطة بفترة ما بعد 2003 لم تحظ بالمعالجة نفسها.

كما يلفت البيان إلى أن عدداً من المعتقلين السابقين يؤكدون أنهم خرجوا من السجن بعد سنوات طويلة دون أن يحصلوا على تعويضات أو اعتراف رسمي بما يعتبرونه انتهاكات تعرضوا لها، وهو ما أدى – حسب تعبير البيان – إلى استمرار آثار اجتماعية واقتصادية صعبة على حياة عدد منهم بعد الإفراج عنهم.

في السياق ذاته، يثير البيان أيضاً مسألة شروط الاعتقال داخل بعض المؤسسات السجنية، مشيراً إلى ما يصفه باستمرار ممارسات مثل العزل الانفرادي لفترات طويلة داخل بعض السجون، وهي نقطة كانت موضوع نقاش متكرر في تقارير منظمات حقوقية دولية.

غير أن السلطات المغربية تؤكد في المقابل أن البلاد قطعت أشواطاً مهمة في ترسيخ الضمانات الدستورية والقانونية المتعلقة بحقوق الإنسان، خاصة بعد دستور 2011 الذي نص صراحة على حظر الاختفاء القسري والتعذيب، إضافة إلى إصلاحات قانونية ومؤسساتية تهدف إلى تعزيز الرقابة القضائية وضمان المحاكمة العادلة.

وبين الرواية الرسمية التي تقدم المغرب كنموذج للإصلاح الحقوقي التدريجي، والانتقادات الصادرة عن بعض الفاعلين الحقوقيين الذين يطالبون بفتح ملفات جديدة مرتبطة بمرحلة ما بعد 2003، يظل ملف المعتقلين الإسلاميين أحد أكثر الملفات حساسية داخل النقاش الحقوقي في البلاد.

ويبدو أن الجدل الذي أثارته كلمة وزير العدل في جنيف يعكس استمرار الصراع بين مقاربتين: الأولى تؤكد أن المغرب طوى صفحة الانتهاكات الكبرى في الماضي ويمضي في مسار إصلاحي، والثانية ترى أن المصالحة الحقيقية لا تكتمل إلا بفتح كل الملفات العالقة دون استثناء، بما فيها تلك المرتبطة بما يسميه بعض الحقوقيين “الحقبة الأمنية” التي أعقبت أحداث الإرهاب في بداية الألفية الثالثة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك