أنتلجنسيا:أبو جاسر
قبل أكثر من سنة على الاستحقاقات التشريعية المقبلة، بدأت أسماء قليلة تهيمن على النقاش السياسي في المغرب، لكن اسماً واحداً يطفو بقوة فوق الجميع: فوزي لقجع.
فبين أخبار متداولة عن اقترابه من حزب الأصالة والمعاصرة، وحديث متزايد عن إمكانية قيادته للحكومة المقبلة، تحول الرجل من مسؤول رياضي ومالي نافذ إلى محور جدل سياسي كبير يختلط فيه الواقع بالإشاعات والتوقعات والحسابات الانتخابية المبكرة.
ورغم خروج الرجل للعلن بشكل واضح، وتكذيبه للخبر ، إلا أن فوزي أشعل فعلا معركة انتخابات 2026، خصوصا وأنه في تصريحاته ترك الباب مفتوحا لجميع الاحتمالات.
من رئيس جامعة الكرة إلى مرشح محتمل لـ"حكومة المونديال"
التطورات المتسارعة التي يشهدها المشهد السياسي المغربي جعلت العديد من المتابعين يربطون بين الزخم الذي راكمه فوزي لقجع خلال السنوات الأخيرة وبين الاستحقاقات الكبرى التي تنتظر المملكة، وفي مقدمتها تنظيم كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال.
وبالنسبة لجزء من المراقبين، فإن الحديث عن لقجع لم يعد مرتبطاً فقط بكرة القدم أو بالمالية العمومية، بل أصبح مرتبطاً بمستقبل السلطة التنفيذية نفسها. فالرجل يوجد في قلب عدد من الأوراش الاستراتيجية الكبرى، ويحظى بحضور قوي داخل دوائر القرار، ما جعل اسمه يتردد بشكل متزايد كلما طُرح سؤال: من سيقود المغرب خلال مرحلة المونديال؟
اتهامات بوجود هندسة سياسية مبكرة
في المقابل، لا ينظر الجميع إلى هذه الأخبار بالمنظار نفسه. فهناك من يعتبر أن الترويج المتواصل لاسم لقجع قبل موعد الانتخابات بوقت طويل يعكس توجهاً نحو حسم جزء من المشهد السياسي مسبقاً، وإعطاء إشارات مبكرة حول الشخصية التي قد تحظى بثقة مراكز القرار خلال المرحلة المقبلة.
أصحاب هذا الطرح يعتقدون أن صعود اسم لقجع في هذا التوقيت يطرح أسئلة حساسة حول مستقبل التنافس السياسي الحقيقي، ومدى قدرة الأحزاب على إنتاج قياداتها وبرامجها بشكل مستقل. كما يرون أن تحويل شخصية تكنوقراطية نافذة إلى مرشح سياسي قوي قبل انطلاق الحملة الانتخابية يبعث برسائل تفيد بأن معالم المرحلة المقبلة بدأت تتشكل بعيداً عن صناديق الاقتراع.
ويذهب بعض المنتقدين إلى اعتبار أن ما يجري يعكس استمرار منطق التحكم في الحقل السياسي، حيث يتم تداول أسماء بعينها باعتبارها جاهزة لتولي المسؤولية قبل أن يقول الناخبون كلمتهم.
أنصار لقجع: النتائج أقوى من الشعارات
لكن في الجهة المقابلة، يرفض مؤيدو لقجع هذه القراءة بشكل كامل، معتبرين أن الرجل لم يصعد بسبب الولاءات أو الحسابات السياسية الضيقة، بل بفضل حصيلة عملية يراها كثيرون استثنائية.
فخلال أقل من عقد من الزمن، تحولت كرة القدم المغربية من قطاع يعيش الأزمات والتخبط إلى واجهة نجاح دولية. المنتخب الوطني بلغ نصف نهائي كأس العالم، والبنية التحتية الرياضية شهدت طفرة غير مسبوقة، والمغرب أصبح قبلة للبطولات القارية والدولية، قبل أن ينجح في انتزاع شرف تنظيم كأس العالم 2030.
وبالنسبة لهذه الفئة، فإن ما حققه لقجع لم يكن نتيجة الحظ أو الصدفة، بل ثمرة رؤية واضحة وانضباط في التنفيذ وربط صارم بين الأهداف والنتائج، وهي أمور يعتبرون أن السياسة المغربية في أمس الحاجة إليها.
هل يفرض شروطه على "البام"؟
الأخبار المتداولة حول إمكانية التحاق لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة زادت من حدة النقاش. فبعض التسريبات غير المؤكدة تتحدث عن شروط خاصة قد يكون قد وضعها في حال دخوله الرسمي إلى العمل الحزبي، من بينها الإشراف المباشر على اختيار المرشحين ومنح التزكيات وإبعاد الأسماء المرتبطة بالمصالح الانتخابية التقليدية.
ورغم غياب أي تأكيد رسمي لهذه المعطيات، فإن مجرد تداولها يكشف حجم الرهان الموضوع على اسم الرجل. فأنصاره يرون أن أي مشروع إصلاحي حقيقي يحتاج إلى التخلص من شبكات المصالح والوجوه التي ساهمت، حسب تعبيرهم، في إضعاف الثقة في العمل السياسي.
أما منتقدوه فيعتبرون أن الحديث عن شخص واحد يتحكم في اختيار المرشحين وتحديد الخريطة الانتخابية يثير مخاوف مرتبطة بتركيز النفوذ داخل الأحزاب وتحويلها إلى أدوات لخدمة مشاريع فردية بدل أن تكون مؤسسات ديمقراطية مفتوحة.
المغرب بين منطق الأحزاب ومنطق الكفاءات
النقاش الدائر حول لقجع يكشف في العمق أزمة أعمق يعيشها المشهد السياسي المغربي. فجزء واسع من الرأي العام فقد ثقته في عدد من النخب الحزبية التقليدية التي استهلكت سنوات طويلة في تدبير الشأن العام دون أن تنجح في تحقيق التحولات المنتظرة.
ومن هنا برزت فكرة البحث عن "رجال النتائج" بدل "رجال الخطابات". فالكثير من المغاربة أصبحوا يقيمون المسؤولين انطلاقاً من الإنجازات الملموسة لا من الشعارات السياسية. وهذا بالضبط ما يمنح لقجع قوة رمزية كبيرة داخل النقاش العمومي الحالي.
معركة لم تبدأ بعد
إلى حدود الساعة، لا يوجد أي إعلان رسمي يؤكد التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة أو ترشحه لقيادة الحكومة المقبلة. لكن مجرد تداول هذه السيناريوهات بهذا الزخم يكشف أن الرجل أصبح رقماً صعباً في معادلة السياسة المغربية.
وبين من يعتبره مشروع رجل دولة قادر على قيادة مرحلة المونديال بكفاءة وصرامة، ومن يرى في صعوده مؤشراً على هندسة سياسية مبكرة للمشهد الانتخابي، يبقى المؤكد أن اسم فوزي لقجع تحول إلى عنوان واحد من أكبر النقاشات السياسية التي تسبق انتخابات 2026.
وفي بلد يستعد لتنظيم أكبر حدث رياضي في تاريخه الحديث، يبدو أن معركة "حكومة المونديال" قد انطلقت فعلاً، حتى وإن لم يعلن أي طرف ذلك بشكل رسمي.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك