أنتلجنسيا:أبو جاسر
في لحظة سياسية وحقوقية استثنائية، تتابعها مختلف الأوساط المغربية باهتمام بالغ، عادت بقوة فرضية حدوث انفراج واسع في ملف الحريات والحقوق بالمغرب، بعدما شكلت الأحكام الأخيرة الصادرة في حق عدد من معتقلي احتجاجات "جيل زد" بالدار البيضاء، مؤشراً أثار الكثير من التأويلات والتوقعات بشأن إمكانية فتح مرحلة جديدة عنوانها التهدئة السياسية والمصالحة الحقوقية.
فبعدما غادر عدد من المعتقلين أسوار السجن إثر الأحكام التي مكنت من الإفراج عنهم، ومع صدور عقوبات مخففة في حق آخرين، ارتفعت أصوات حقوقية وسياسية ومدنية ترى أن الظرفية الحالية قد تكون مناسبة أكثر من أي وقت مضى لاتخاذ مبادرات أكبر وأوسع من شأنها طي ملفات ظلت لسنوات مصدر نقاش وجدل داخل المغرب وخارجه.
وتتجه الأنظار بشكل متزايد نحو المؤسسة الملكية باعتبارها الجهة المخولة دستورياً لإصدار العفو الملكي، وسط تنامي آمال فئات واسعة في أن تشهد المرحلة المقبلة مبادرة إنسانية وسياسية تشمل معتقلي حراك الريف، والنقيب محمد زيان، وعدداً من الأشخاص الذين ارتبطت ملفاتهم بقضايا ذات أبعاد سياسية أو حقوقية أو مرتبطة بحرية التعبير والرأي.
ويعتبر كثير من المتابعين أن الأحكام الأخيرة المتعلقة بملف "جيل زد" حملت رسائل متعددة تتجاوز بعدها القضائي المباشر، إذ أعادت إلى الواجهة النقاش حول الحاجة إلى خلق مناخ سياسي أكثر هدوءاً وانفتاحاً في ظل التحديات الكبرى التي تواجهها البلاد على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والدبلوماسية.
فالمغرب مقبل على محطات سياسية وانتخابية مهمة، كما أنه يستعد لاستحقاقات دولية وقارية كبرى تتطلب تعزيز صورة الاستقرار والانفتاح وترسيخ الثقة بين مختلف مكونات المجتمع.
وفي هذا السياق، يرى عدد من الفاعلين أن أي مبادرة عفو واسعة قد تشكل لحظة فارقة في المشهد الوطني، ليس فقط بسبب انعكاساتها الإنسانية على المعتقلين وعائلاتهم، بل أيضاً لما يمكن أن تحمله من دلالات سياسية ورسائل إيجابية تجاه مختلف الحساسيات والتيارات الموجودة داخل المجتمع المغربي.
وتحضر بقوة في هذا النقاش أسماء معتقلي حراك الريف الذين تحولت ملفاتهم خلال السنوات الماضية إلى أحد أبرز العناوين الحقوقية بالمغرب.
فبالنسبة لعدد من المتابعين، فإن أي خطوة نحو إنهاء هذا الملف ستُعتبر إشارة قوية إلى الرغبة في تجاوز مرحلة التوتر وفتح صفحة جديدة قائمة على الحوار والاحتواء بدل استمرار الجدل والاستقطاب.
كما يبرز اسم النقيب محمد زيان ضمن الملفات التي يطالب عدد من الحقوقيين والسياسيين بإيجاد مخرج إنساني لها، خاصة بالنظر إلى سنه ووضعه الصحي والجدل الذي رافق قضيته خلال السنوات الأخيرة.
ويرى المدافعون عن هذا الطرح أن المقاربة الإنسانية قد تشكل مدخلاً مناسباً لإنهاء عدد من الملفات التي استنزفت النقاش العمومي وأثارت انقسامات داخل الساحة الوطنية.
وتستند هذه الدعوات إلى تقاليد راسخة عرفها المغرب في محطات مختلفة من تاريخه الحديث، حيث شكل العفو الملكي في أكثر من مناسبة أداة لإعادة بناء الثقة وتجاوز لحظات التوتر السياسي والاجتماعي.
وغالباً ما كانت مثل هذه المبادرات تحظى بترحيب واسع داخل الأوساط الوطنية والدولية لما تحمله من أبعاد إنسانية ومؤسساتية.
ويرى مراقبون أن الظرفية الحالية قد تكون ملائمة لمبادرة من هذا النوع، خصوصاً في ظل تزايد الدعوات إلى تعزيز مناخ الحريات وتوسيع فضاءات النقاش العمومي وإطلاق دينامية سياسية جديدة قادرة على استيعاب مختلف الأصوات والتعبيرات داخل المجتمع.
كما أن العديد من الفاعلين يعتبرون أن بناء الثقة بين المؤسسات والمجتمع يمر أيضاً عبر مبادرات رمزية قوية قادرة على تبديد أجواء الاحتقان وإعادة الاعتبار لمنطق التوافق الوطني.
وفي المقابل، يلفت متابعون إلى أن أي قرار من هذا الحجم يبقى مرتبطاً بتقديرات الدولة ومؤسساتها ورؤيتها الشاملة للمصلحة الوطنية، مؤكدين أن النقاش الدائر حالياً يعكس بالأساس حجم الانتظارات الموجودة لدى فئات واسعة من الرأي العام التي تأمل في رؤية مؤشرات جديدة على انفتاح سياسي وحقوقي أكبر خلال المرحلة المقبلة.
ومهما كانت السيناريوهات المنتظرة، فإن ما جرى في ملف "جيل زد" أعاد بقوة موضوع المصالحة الحقوقية إلى صدارة النقاش الوطني، وأطلق موجة من التساؤلات حول ما إذا كانت البلاد تتجه بالفعل نحو مرحلة جديدة تتسم بقدر أكبر من الانفراج وطي الملفات الخلافية.
وبين التفاؤل الحذر والترقب الواسع، تبقى الأنظار موجهة نحو الخطوات المقبلة التي قد تحمل معها تحولات قادرة على إعادة رسم جزء مهم من المشهد السياسي والحقوقي المغربي، في لحظة يعتبرها كثيرون فرصة ثمينة لتعزيز التماسك الوطني وفتح آفاق جديدة أمام الحياة الديمقراطية بالبلاد.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك