المغرب تحت الاختناق الشامل..غلاء يلتهم المائدة وقمع يخنق الشارع ولوبيات الفساد تحكم القبضة

المغرب تحت الاختناق الشامل..غلاء يلتهم المائدة وقمع يخنق الشارع ولوبيات الفساد تحكم القبضة
ديكريبتاج / الثلاثاء 20 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:ياسر اروين

لم يعد الغلاء في المغرب مجرد موجة عابرة أو ظرف دولي طارئ، بل تحول إلى سياسة أمر واقع تضرب في العمق القدرة على العيش، وتدفع ملايين المغاربة إلى حافة العوز.

يقع كل هذا، في وقت تتصاعد فيه مؤشرات القمع، ويتكرس نفوذ لوبيات اقتصادية وسياسية مرتبطة بما يُعرف بالدولة العميقة، وسط صمت رسمي يقترب من التواطؤ.

اللحوم والأسماك والخضر:حين تصبح المائدة امتيازًا طبقياً

قفزت أسعار اللحوم الحمراء والبيضاء إلى مستويات غير مسبوقة، تزامنًا مع ارتفاع صاروخي في أثمنة الأسماك والخضر والفواكه، وكل المواد الأساسية المرتبطة بالحياة اليومية.

فالكيلوجرام الواحد من اللحم، بات حلمًا مؤجلًا لشرائح واسعة، والدجاج لم يعد خيار الفقراء، فيما تحولت بعض أصناف السمك إلى “سلع نخبوية”، لا مكان لها في موائد الطبقة المتوسطة التي تتآكل بسرعة.

هذا الغلاء لم يعد يُفسَّر فقط بالجفاف أو تقلبات السوق العالمية، بل بتشابك مصالح المضاربين والوسطاء الكبار، وغياب أي إرادة سياسية حقيقية لضبط الأسواق أو كسر الاحتكار، ما جعل المستهلك الحلقة الأضعف في معادلة مختلة.

قدرة شرائية منهارة ودولة تتفرج

الأجور مجمدة عمليا، فرص الشغل نادرة، والضرائب غير المباشرة تلتهم ما تبقى من دخل الأسر المغربية، خصوصا منها الفقيرة والمتوسطة.

في المقابل، تواصل الحكومة تسويق خطاب “الصمود” و”الإصلاحات”، بينما الواقع يكشف أن أغلب المغاربة يعيشون ضغطًا اقتصاديًا خانقًا، يدفعهم إلى الاستدانة، أو تقليص أساسيات العيش، أو السقوط في الفقر الصامت.

فالطبقة الوسطى، التي كانت تشكل صمام أمان اجتماعي، تتآكل بسرعة، فيما تتوسع هوة التفاوت، وتُراكم فئات محدودة أرباحًا خيالية من الأزمات نفسها التي تخنق الأغلبية.

الاحتكار والمضاربة:اقتصاد موجَّه لخدمة القلة

تتحدث تقارير رسمية وغير رسمية، عن تركّز السوق في يد عدد محدود من الفاعلين، يسيطرون على سلاسل الإنتاج والتوزيع، من الاستيراد إلى البيع بالتقسيط.

هؤلاء راكموا ثروات ضخمة بفضل الامتيازات، والدعم العمومي، والتغاضي عن الممارسات الاحتكارية، دون محاسبة حقيقية أو مساءلة سياسية.

هنا، لا يبدو السوق “حرًا” بقدر ما يبدو موجَّهًا لخدمة لوبيات اقتصادية نافذة، يرتبط جزء كبير منها بشبكات نفوذ داخل مؤسسات الدولة، ما يجعل أي حديث عن المنافسة أو حماية المستهلك مجرد شعارات فارغة.

القمع بدل الحلول:تجريم الاحتجاج وخنق الأصوات

بدل فتح نقاش وطني حول الغلاء وتداعياته الاجتماعية، اختارت السلطة طريق التضييق، كل صوت يرفع الاحتجاج، أو يطالب بالعدالة الاجتماعية، أو يفضح الفساد، يجد نفسه في مرمى المتابعة أو التشهير أو التضييق الإداري.

النقابيون، الصحافيون، المدونون، ونشطاء الحركات الاجتماعية، يعيشون تحت ضغط متزايد، في مشهد يعكس خوفًا رسميًا من أي تعبير جماعي عن الغضب، وكأن المشكلة ليست في السياسات، بل في من يجرؤ على الاعتراض عليها.

الدولة العميقة ولوبيات النفوذ:من يحكم فعليًا؟

في قلب هذا المشهد القاتم، يبرز سؤال جوهري، من يقرر فعليًا في المغرب؟ فاستمرار الغلاء، وتآكل القدرة الشرائية، وتراجع الخدمات الاجتماعية، يقابله صعود غير مبرر لنفوذ لوبيات اقتصادية مرتبطة بمراكز القرار، تحصّنت ضد المحاسبة، وتغذت من ضعف الشفافية وتداخل المال بالسلطة.

هذا “التغول” لم يعد خافيًا، بل أصبح ملموسًا في السياسات العمومية، وفي غياب قرارات جريئة لضرب الاحتكار، أو فرض ضرائب عادلة على الثروة، أو حماية الفئات الهشة.

بلاد على حافة الانفجار الاجتماعي

المغرب اليوم يقف عند مفترق طرق خطير: إما مواجهة شجاعة لجذور الأزمة، عبر سياسات اجتماعية حقيقية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وفتح المجال أمام حرية التعبير والاحتجاج السلمي، أو الاستمرار في إدارة الأزمة بالقمع والصمت، ما يهدد بانفجارات اجتماعية غير محسوبة العواقب.

فالغلاء ليس مجرد أرقام في تقارير، بل معاناة يومية، والغضب المكبوت لا يختفي بالقوة، بل يتراكم إلى أن ينفجر.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك