أنتلجنسيا:ياسر اروين
في الثامن من يناير لا يستحضر المغاربة مجرد تاريخ وفاة سياسي من الماضي، بل يفتحون جرحاً سياسياً عميقاً اسمه غياب رجال الدولة.
فعبد الرحيم بوعبيد لم يكن اسماً عابراً في سجل الاستقلال، بل كان حالة نادرة لرجل جعل من السياسة أخلاقاً، ومن القرار السيادي معركة، ومن المعارضة شرفاً لا وظيفة.
واستحضاره اليوم ليس حنيناً رومانسياً، بل إدانة صريحة لواقع سياسي فقد بوصلته.
الاستقلال ليس علماً يُرفع بل قراراً يُنتزع
بوعبيد فهم باكراً ما تجاهله كثيرون، وهو أن الاستقلال السياسي دون سيادة اقتصادية مجرد وهم مريح.
لذلك لم يتعامل مع السياسة كلعبة توازنات، بل كصراع وجودي ضد التبعية والارتهان، حيث رفض أن تكون الدولة واجهة بلا قرار، واعتبر أن التحكم في المال هو المدخل الحقيقي للتحرر، لا الشعارات ولا الخطب.
حين يكون السجن موقفاً لا هزيمة
في زمن كان فيه الصمت طريقاً آمناً، اختار بوعبيد الطريق الأخطر، قول “لا”. وحين خُيّر بين الانحناء أو السجن، اختار القيد الشريف.
عبارته المستلهمة من القرآن لم تكن بلاغة سياسية، بل سيرة حياة كاملة.
والسجن عنده لم يكن عقوبة، بل شهادة على أن السياسة يمكن أن تُمارس دون خيانة الذات.
الصحراء…الوطنية بلا شعبوية
في واحدة من أعقد القضايا الوطنية، رفض بوعبيد المتاجرة بالإجماع، ودافع عن الصحراء من منطق الدولة لا من منطق الهتاف، وربط الوحدة الترابية بالديمقراطية واستقلال القرار، لا بالابتزاز السياسي.
ودفع ثمن هذا الموقف عزلةً وسجناً، لكنه رسّخ حقيقة مزعجة مفادها، أن الوطنية ليست قرباً من السلطة، بل قدرة على الاختلاف حين يصبح الصمت خيانة.
الاقتصاد كجبهة سيادة لا كدفتر حسابات
داخل الدولة، وخاصة خلال توليه وزارة الاقتصاد والمالية، لم يكن بوعبيد وزير تدبير يومي، بل مهندس مشروع سيادي.
فكك بوعبيد، امتيازات الاستعمار، وأرسى قواعد مؤسسات عمومية استراتيجية، وأشرف على أول مخطط خماسي للتنمية برؤية تربط التصنيع بالعدالة الاجتماعية، وتضع الإنسان في قلب الاقتصاد، لا في هامشه.
الدرهم ولحظة القطيعة مع الاستقلال الشكلي
أخطر معاركه لم تكن انتخابية ولا خطابية، بل مالية. فك الارتباط بالفرنك الفرنسي، تأسيس بنك المغرب، وإطلاق الدرهم سنة 1959، كانت لحظة إعلان استقلال حقيقي.
القرار كلف البلاد هروب أموال وضغوطاً دولية، لكن بوعبيد لم يتراجع. كان يعرف أن كلفة السيادة، مهما كانت موجعة، أقل فداحة من ثمن التبعية الدائمة.
معارضة لا تُجامل ولا تُخرّب
في علاقته بالمؤسسة الملكية، جسّد بوعبيد نموذجاً نادراً، معارضة وطنية مسؤولة. لا ولاء أعمى ولا تمرد عبثي.
وقف الراحل، بندّية رجل دولة، وقال “لا” حين كان قولها مكلفاً، دون أن يحوّل المعارضة إلى فوضى أو عداء للدولة.
“بيننا وبين القصر دم”..السياسة حين تلامس الخط الأحمر
بعد اغتيال عمر بنجلون، أطلق بوعبيد واحدة من أكثر العبارات السياسية جرأة في تاريخ المغرب.
لم تكن صرخة غضب، بل تحميل مباشر للمسؤولية، وإعلان أن الدم السياسي خط أحمر، وأن الدولة تُقاس بقدرتها على حماية مواطنيها لا بالصمت عن اغتيالهم.
غياب بوعبيد وفضيحة الحاضر
عبد الرحيم بوعبيد لم يترك وراءه حزباً فقط، بل معياراً أخلاقياً للسياسة. وفي ذكرى رحيله، لا يُرثى الرجل، بل يُحاكم الزمن.
يُقاس الانحدار بين مرحلة كان فيها السياسي رجل دولة، ومرحلة تحوّل فيها كثيرون إلى مجرد مسيّرين بلا رؤية ولا كلفة موقف.
رحل الجسد، وبقي السؤال مفتوحاً، هل ما زالت السياسة المغربية قادرة على إنجاب رجال من طينة بوعبيد أم أن زمنهم انتهى بلا رجعة؟
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك