أنتلجنسيا:ياسر اروين
منذ أزيد من عقدين، ظل اسم أحمد التوفيق حاضراً بثبات لافت على رأس وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، في مشهد سياسي مغربي نادر، تعاقبت خلاله حكومات متعددة، واختلفت الألوان الحزبية والرهانات السياسية، بينما بقي الرجل نفسه في موقعه دون أن تهزه صناديق الاقتراع أو تغيره موازين السلطة التنفيذية.
هذا البقاء الطويل، وغير المبرر، يطرح أسئلة محرجة حول طبيعة هذه الوزارة وحدود تدخل الحكومات فيها.
وزارة خارج منطق التناوب
في بلد، يُفترض أن تخضع فيه القطاعات الوزارية لمبدأ المسؤولية السياسية والتداول، تبدو وزارة الأوقاف استثناءً صارخاً.
فلا البرامج الحكومية، ولا الأغلبية البرلمانية، ولا حتى النقاش العمومي، كانت يوماً مدخلاً لتغيير الوزير أو محاسبته، حيث أن الأمر يوحي بأن الشأن الديني لا يُدار بمنطق سياسي، بل بمنطق سيادي مغلق.
إمارة المؤمنين والسلطة التي لا تُنازع
دستورياً، الملك هو أمير المؤمنين، والحامي للدين، والضامن لوحدة المذهب.
لكن استمرار أحمد التوفيق، في منصبه يذهب أبعد من مجرد الاختصاص الدستوري، ليعكس واقعاً سياسياً مفاده أن وزارة الأوقاف ليست جزءاً من السلطة التنفيذية بالمعنى المتعارف عليه، بل امتداداً مباشراً لمؤسسة إمارة المؤمنين، خارج منطق التفويض الحكومي والمساءلة السياسية.
حين يصبح الوزير رمزاً للثبات السيادي
لم يعد أحمد التوفيق مجرد وزير، بل تحوّل إلى رمز لاستمرارية الخيار الديني الرسمي للدولة، وحارساً لنموذج ديني تعتبره المؤسسة الملكية خطاً أحمر غير قابل للتفاوض أو التجريب.
فوجوده الدائم رسالة واضحة، تعتبر الشأن الديني بالمغرب، ليس مجالاً للصراع السياسي ولا للتجاذب الحزبي.
الأحزاب خارج اللعبة الدينية
شاركت أحزاب إسلامية، ويسارية، وليبرالية في الحكم، لكنها جميعاً التزمت الصمت أمام وزارة الأوقاف.
فلم يسبق، أن طالبت أي حكومة بتغيير الوزير، ولا أن فتحت نقاشاً حقيقياً حول تدبير الحقل الديني. وهو صمت يعبّر عن إدراك جماعي لحدود السلطة السياسية حين يتعلق الأمر بالدين.
الدين مسألة أمن استراتيجي بالمملكة
تتعامل الدولة المغربية مع الحقل الديني، باعتباره شأناً استراتيجياً مرتبطاً بالأمن الروحي والاستقرار السياسي، خصوصاً في ظل التحديات الإقليمية وصعود التيارات المتطرفة.
ومن هذا المنظور، يصبح الاستقرار في رأس الوزارة أولوية، حتى وإن تعارض مع منطق التغيير الديمقراطي.
رسالة الدولة..هذا مجال لا يُقترب منه
استمرار أحمد التوفيق ليس مجرد صدفة ولا نتيجة كفاءة فردية فقط، بل هو قرار سياسي سيادي يعكس إرادة واضحة، مفادها أن الشأن الديني بالمغرب، مجال محفوظ حصرياً للمؤسسة الملكية، وأي اقتراب منه خارج هذا الإطار يُعتبر تجاوزاً للخطوط الحمراء.
بين الاستقرار والجمود
يبقى السؤال مطروحاً، هل يخدم هذا الثبات الطويل تحديث الحقل الديني ومواكبته لتحولات المجتمع؟
أم أنه، يعكس خوفاً مزمناً من أي تغيير قد يفتح نقاشاً غير مرغوب فيه حول السلطة الدينية؟ سؤال مؤجل، ما دام الجواب الحقيقي يوجد خارج الحكومة وخارج البرلمان.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك