أنتلجنسيا:فتيحة الوديع
في ضربة قضائية لواحد من أخطر ملفات الفساد المرتبط بالهجرة غير النظامية، أصدرت غرفة جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالرباط أحكاماً سالبة للحرية في حق جنديين، بعد متابعتهما بتهم ثقيلة تتعلق بالاتجار بالبشر والارتشاء واستغلال الوظيفة لتسهيل مغادرة أشخاص للتراب الوطني، فيما نال عون سلطة حكماً بثلاثة أشهر موقوفة التنفيذ في القضية نفسها.
المحاكمة التي جرت أمام محكمة الاستئناف بالرباط أسفرت عن إدانة العسكريين بثلاث سنوات حبسا نافذاً لكل واحد منهما، بعد ثبوت تورطهما في تسهيل محاولة تهجير جماعية انطلقت من سواحل الشمال. وتعود خيوط الملف إلى تحرك ميداني قادته عناصر الدرك الملكي بالمركز الترابي أحد الغربية، التابع للقيادة الجهوية بطنجة، حين تم في أكتوبر الماضي تقديم المشتبه فيهم أمام النيابة العامة المختصة في جرائم الفساد المالي.
التحقيقات كشفت، وفق معطيات القضية، أن الجنديين اللذين كانا يزاولان مهام حراسة الحدود، أحدهما ضمن وحدة متمركزة بأصيلة والآخر بطنجة، استغلا صفتهما الوظيفية لتسهيل محاولة خروج عشرة شبان عبر البحر خلال شهر غشت الماضي. العملية أُحبطت قبل تنفيذها، لكن الأبحاث اللاحقة قادت إلى الاشتباه في وجود تنسيق مسبق مع منظم الرحلة، الذي جرى توقيفه بدوره، مقابل مبالغ مالية وُصفت بأنها رشوة للتغاضي عن أداء الواجب المهني.
الوكيل العام للملك استمع إلى المتهمين تمهيدياً قبل إحالتهم على قاضية التحقيق بقسم جرائم الأموال، التي أمرت بإيداع الجنديين السجن ومتابعة عون السلطة في حالة سراح. التهم الموجهة إليهم شملت تلقي مقابل مالي للامتناع عن القيام بعمل من أعمال الوظيفة، والمشاركة في تنظيم وتسهيل خروج أشخاص من التراب الوطني بطرق غير قانونية.
القضية لا تقف عند حدود المسؤولية الفردية، بل تعيد طرح سؤال هشاشة بعض المنافذ أمام شبكات الاتجار بالبشر، حين يتقاطع الطمع مع موقع حساس يفترض فيه حماية الحدود لا اختراقها. فاختراق منظومة المراقبة من الداخل يمنح شبكات التهريب جرأة مضاعفة، ويقوض الثقة في المؤسسات المكلفة بإنفاذ القانون.
تحليلياً، تعكس هذه الأحكام توجهاً قضائياً نحو تشديد المساءلة في قضايا تمس الأمن الحدودي والاتجار بالبشر، خاصة حين يكون المتورطون من أصحاب الصفة العمومية. كما تبعث برسالة مفادها أن استغلال الزي الرسمي أو الموقع الإداري لتحقيق مكاسب غير مشروعة لن يمر دون عقاب، في سياق إقليمي يعرف ضغطاً متزايداً على مسارات الهجرة السرية.
ورغم صدور الأحكام، يبقى الرهان الأوسع مرتبطاً بتفكيك البنية التي تسمح بتشكل مثل هذه الشبكات، وتعزيز آليات الرقابة الداخلية، حتى لا تتحول الثغرات الفردية إلى قنوات منظمة للتهجير غير المشروع. فالمعركة ضد الاتجار بالبشر لا تُحسم فقط في عرض البحر، بل أيضاً داخل المؤسسات التي يفترض أن تكون خط الدفاع الأول.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك