سمير بوزيد لـ"أنتلجنسيا المغرب": سبتة ومليلية تكشفان فشل أولويات الإنفاق العمومي... والكرامة الإنسانية هي الضحية الأولى

سمير بوزيد لـ"أنتلجنسيا المغرب": سبتة ومليلية تكشفان فشل أولويات الإنفاق العمومي... والكرامة الإنسانية هي الضحية الأولى
حوار / الجمعة 07 غشت 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب:حاوره فهد الباهي

· مهتم بقضايا حماية المال العام ومحاربة الفساد

· أحد مؤسسي الهيئة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب

· الكاتب العام لمركز عدالة لحقوق الإنسان المغربي (CJDH)


في ظل مشاهد النزوح الجماعي التي شهدتها مدينتا سبتة ومليلية، وما أثارته من نقاش واسع حول أسبابها الحقيقية، أجرت "أنتلجنسيا المغرب" هذا الحوار مع الحقوقي سمير بوزيد، المهتم بقضايا حماية المال العام ومحاربة الفساد، وأحد مؤسسي الهيئة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب، والكاتب العام لمركز عدالة لحقوق الإنسان المغربي.

في هذا الحوار، يقرأ بوزيد الظاهرة من زاوية الحكامة وتدبير المال العام، متوقفًا عند علاقة التنمية بالعدالة الاجتماعية، ومدى انعكاس السياسات العمومية على أوضاع الشباب، كما يقدم تصورًا حول الآليات الكفيلة بتعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، ويطرح رؤيته بشأن الأولويات التي ينبغي أن تؤطر الإنفاق العمومي لتحقيق تنمية أكثر إنصافًا واستدامة.

إلى أي حد يمكن اعتبار مشاهد النزوح الجماعي نحو سبتة ومليلية مؤشراً على وجود اختلالات في تدبير المال العام في تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية، رغم حجم الميزانيات المخصصة لبرامج التشغيل ومحاربة الهشاشة؟

بادئ ذي بدء، يمكن القول إن مشاهد النزوح الجماعي ليست مجرد ظاهرة أمنية، بل مؤشر واضح على وجود فجوة بين تدبير المال العام وتحقيق التنمية المنشودة.

فبرنامج تقليص الفوارق المجالية (2017-2023) خُصص له 50 مليار درهم، غير أن ثلاث جهات فقط تساهم بـ 58.5% من الناتج الداخلي الخام، وتركزت 66% من المناطق الصناعية في خمس جهات.

وبلغت نسبة إنجاز المشاريع 82% (9.026 مشروعاً من أصل 10.939)، مع تباين كبير بين 65% بكلميم-واد نون و98% بالعيون-الساقية الحمراء، وسُجّل 625 مشروعاً مكتملاً غير مستغل. وهذا التباين يعكس غياب ربط الاستثمار بخلق فرص الشغل، مما يفسر جزئياً لماذا يفضل الشباب في المناطق المهمشة المخاطرة بحياتهم بحثاً عن كرامة تعوزهم في أوطانهم.

بصفتكم متخصصاً في حماية المال العام، هل تعتقدون أن قصوراً في فعالية آليات الحكامة وتحديات في تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ساهما في تفاقم الأوضاع التي دفعت آلاف المغاربة إلى المخاطرة بحياتهم؟

تأسيساً على ما سبق، فإن قصور فعالية آليات الحكامة وصعوبات في تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة - المنصوص عليه في دستور 2011 - ساهما مباشرة في تفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية. وأُحيلت 20 ملفاً على النيابة العامة في جرائم مالية شملت وثائق غير صحيحة وأشغالاً غير منجزة.

وحصل المغرب على 39 نقطة من 100 في مؤشر مدركات الفساد لسنة 2025، محتلاً المرتبة 91 عالمياً، مسجلاً تحسناً طفيفاً مقارنة بـ 37 نقطة سنة 2024. وتظهر مخالفات المجلس الأعلى للحسابات أن 29% تتعلق بقواعد النفقات العمومية، و20% بأوراق غير صحيحة، و19% بمنفعة غير مبررة.

وعليه، فإن ضعف فعالية المساطر الزجرية يغذي اليأس ويدفع الشباب إلى خيارات مصيرية، فالشاب لا يترك وطنه لأنه يحبه أقل، بل لأنه يشعر أن وطنه لم يعد يراه.

هل يستوجب ما وقع فتح نقاش حول مدى نجاعة صرف الأموال العمومية الموجهة للتنمية المحلية، خاصة في المناطق الشمالية والشرقية التي شهدت موجات النزوح الجماعي؟

في هذا الإطار، فإن النقاش ضرورة وطنية ملحة. فـ 71% من اعتمادات برنامج تقليص الفوارق ذهبت للطرق (35.4 مليار درهم) مقابل 10% للتعليم و3% للصحة و4% للكهرباء. وهذا الخلل في الأولويات يجعل الطرق بلا جدوى إن لم تُرافق بمشاريع منتجة تشغل الشباب، خاصة أن 625 مشروعاً غير مستغلة. ومن الجدير بالملاحظة أنه في قطاع الصحة، ارتفعت الميزانية من 19.7 مليار درهم (2019) إلى 32.6 مليار (2025)، لكن 91% من نفقات التأمين الصحي تذهب للقطاع الخاص مقابل 9% فقط للعام، مما يثقل كاهل المواطن البسيط ويدفعه للهجرة.

ولتوضيح ذلك، فإن ضعف تحصيل اشتراكات "أمو عمال غير أجراء" لا يتجاوز 37% (22% لدى الفلاحين)، مما يحد من قدرة النظام الصحي على تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين في المناطق النائية.

ما هي الآليات القانونية والرقابية التي ينبغي تفعيلها لضمان مراقبة أوجه صرف المال العام، حتى ينعكس على تحسين أوضاع المواطنين بدل استمرار مظاهر الفقر والهشاشة واليأس؟

وانطلاقاً مما سلف، ينبغي تفعيل آليات متكاملة تشمل:

· تعزيز المراقبة المندمجة (176 مهمة رقابية 2024-2025، لكنها غير كافية)

· إلزامية تقييم الأثر قبل إطلاق المشاريع

· تفعيل دور النيابة العامة في ملاحقة المخالفات المالية

· ربط التمويل بالنتائج الفعلية على أرض الواقع

· نظام معلوماتي وطني لتتبع المشاريع في الوقت الحقيقي

· معالجة تراكم الديون غير القابلة للتحصيل

· معالجة الباقي استخلاصه من المدينين

· تعزيز نسب الامتثال للتصريح بالممتلكات

ولكن لا يفوتنا أن ننوه إلى أن هذه الآليات، إذا فُعّلت بشكل جاد، ستوقف نزيف الهجرة وتستجيب لانتظارات المواطنين، غير أن التحدي الأكبر يبقى في الإرادة السياسية لتجاوز العقبات البيروقراطية وتفعيل المساءلة الفعلية.

هل يمكن اعتبار ما شهدته سبتة ومليلية رسالة قوية تستدعي مراجعة أولويات الإنفاق العمومي، وتوجيه الموارد بشكل أكبر نحو خلق فرص الشغل، والتعليم، والصحة، والتنمية، بدل الاكتفاء بالحلول الظرفية لمعالجة الأزمات؟

في واقع الأمر، فإن الوضعية الحدودية في سبتة ومليلية تُعد رسالة صارخة تستدعي مراجعة جذرية للأولويات.

فـ 71% من الاعتمادات للطرق مقابل 3% للصحة و10% للتعليم، رغم ارتفاع عدد المسجلين في التأمين الإجباري عن المرض من 26.84 مليون (2022) إلى 31.94 مليون (2024). ورغم ارتفاع ميزانية الصحة، يبقى معدل تحصيل اشتراكات "أمو عمال غير أجراء" ضعيفاً لا يتجاوز 37% (22% لدى الفلاحين).

ورغم تخصيص مبالغ كبيرة للدعم الاجتماعي المباشر سنة 2024، فإن تحديات في فعالية الحكامة يحد من أثره على الفئات المستهدفة. وخلاصة القول، إن الأولويات الحالية تعكس تصوراً تنموياً يضع البنية التحتية قبل الخدمات الاجتماعية الأساسية، وهو ما يرسل للشباب إشارة مفادها أن الطرق أهم من قدرتهم على العيش الكريم.

في ختام هذا الحوار، يبقى سؤال مفتوح لكل مسؤول وصانع قرار، ولكل مواطن متتبع، ولكل قارئ لهذا الحوار الاستقصائي: ما هو أدنى ما تتفقون عليه في الوضعية الحدودية بسبتة ومليلية؟ هل هو الحلول الأمنية المؤقتة؟ أم البرامج التنموية الظرفية؟ أم إعادة هيكلة أولويات الإنفاق العمومي؟ أم أن الجواب، كما ترون، هو الكرامة الإنسانية التي لا تقبل التأجيل ولا المساومة؟

حري بنا التطرق إلى أن الضحية الحقيقية في كل هذه المعادلات هي الكرامة الإنسانية. ليست مفهوماً مجرداً، بل قدرة أب على شراء دواء، وشاب على الزواج دون استدانة، وأسرة على العيش دون رمي أبنائها في البحر.

كل درهم يُصرف دون أن ينعكس على حياة المواطن يُثير تساؤلات حول نجاعة الاستثمار ويُسائل كرامة الإنسان. ونتيجة لذلك، حين تذهب 71% من الاعتمادات للطرق و3% للصحة، نُرسل للشباب إشارة مفادها أن البنية التحتية تُقدَّم على الخدمات الاجتماعية الأساسية.

وإن المعالجة الجذرية رهينة بإرادة سياسية تضع الكرامة الإنسانية في صلب كل سياسة عمومية، وتجعل المواطن غاية لا وسيلة.

ومن هذا المنطلق، فإن الكرامة ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل معيار حقيقي لنجاعة السياسات العمومية، والضامن الوحيد لاستعادة الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته، ولوقف نزيف الهجرة الذي يحصد أرواح شبابنا كل يوم.

وختاماً، فإن المواطن المغربي ينتظر أفعالاً لا أقوالاً، ومشاريع منتجة لا وعوداً انتخابية، وكرامة حقيقية لا حلولاً مؤقتة. هذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن الوقت قد حان لإعادة الاعتبار للإنسان في صلب كل سياسة عمومية، فالإنسان هو الغاية والوسيلة معاً.

 

                                                                                 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك