بقلم:عبد الفتاح الحيداوي
حين نتحدث عن ج بر الضرر لا ينبغي أن نحصر النقاش في المسؤولية المعنوية للجلاد، ولا في البحث عن أسماء الماضي كأن الظاهرة طويت بموت أصحابها أو بتقاعدهم. فالحديث الذي يختزل العدالة الانتقالية في تحديد شخص ارتكب الفعل ثم الاكتفاء بإدانته الرمزية، يحول مسألة حقوقية بنيوية إلى حكاية أخلاقية عن أفراد، ويترك الضحية في موقع المتفرج على عدالة لا تخصه. أما جبر الضرر في معناه الحقوقي الصحيح فهو التزام تتحمله الدولة تجاه من أصابهم الأذى، وهو قائم سواء عرف الجلاد أو جهل، وسواء كان حيا أو ميتا، وسواء اعترف أو أنكر.
ومن المفارقات أن التركيز على أسماء الماضي يوحي بأن الجلاد لم يعد يعيش بيننا، وأن الانتهاك صفحة أغلقت. والواقع أن الجلاد ليس شخصا فحسب، بل هو موقع وسلطة وسلوك، يتجدد بتجدد شروط إنتاجه. فمن عذب في المخافر قد يكون غادر الخدمة، لكن المنطق الذي سمح له بالتعذيب، من إفلات من العقاب وغياب للرقابة وتواطؤ مؤسساتي، قد يظل قائما في أماكن أخرى وبأشكال أخرى. ولهذا فإن الحديث عن جبر الضرر دون مساءلة هذه الشروط يظل ناقصا، لأنه يعالج الجرح ولا يسأل عن اليد التي ما زالت قادرة على تكراره.
وهنا يفرض السؤال نفسه: لمن نعطي صفة الجلاد؟ إن حصرها في الشرطي الذي مارس التعذيب في المخفر تبسيط مخل. فالجلاد قد يكون القاضي الذي أصدر حكما وهو يعلم أن الاعتراف انتزع تحت الإكراه، أو الذي أغمض عينيه عن آثار التعذيب الظاهرة على المتهم، أو الذي رفض فتح تحقيق حين ادعى المعتقل أنه عذب. وقد يكون الإداري في المقاطعة الذي أدار الرقاب بالتضييق والمنع والحرمان، أو المسؤول الذي حول الإدارة إلى أداة عقاب للمعارضين والمطالبين بحقوقهم. وقد يكون في مؤسسات أخرى لا تظهر في سجلات الانتهاكات التقليدية، كل جهاز يملك سلطة على إنسان ويستعملها لإذلاله أو إسكاته أو سحق كرامته. فالجلاد بهذا المعنى لا يقاس بالأداة التي استعملها، سواء كانت سوطا أو حكما أو قرارا إداريا أو صمتا متعمدا، وإنما بالأثر الذي أحدثه في جسد الضحية وكرامتها وحقوقها.
وينبغي كذلك أن نوسع مفهوم الجلاد معنويا لا ماديا فقط. فالتعذيب لا يترك دائما أثرا على الجسد، وقد يكون أشد وطأة حين يمس الاعتبار والمكانة والمستقبل. أن يحرم إنسان من عمله أو دراسته أو جواز سفره أو حقه في التقاضي، أن يشهر به أو يهدد في أسرته، أن يترك سنوات في انتظار قرار لا يأتي، كل هذه صور من الإيلام المنظم يمارسها جلادون لا يحملون هراوة ولا يرتدون زيا موحدا. وإذا ظل خطابنا الحقوقي أسير الصورة النمطية للجلاد، فسنفقد القدرة على رؤية هذه الأشكال وعلى المطالبة بجبر ما ترتب عنها.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك