هل يتحول جبر الضرر إلى شكل آخر من أشكال الإنكار؟

هل يتحول جبر الضرر إلى شكل آخر من أشكال الإنكار؟
أقلام حرة / الأربعاء 28 أكتوبر 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم:عبد الفتاح الحيداوي

حين نتحدث عن ج بر الضرر لا ينبغي أن نحصر النقاش في المسؤولية المعنوية للجلاد، ولا في البحث عن أسماء الماضي كأن الظاهرة طويت بموت أصحابها أو بتقاعدهم. فالحديث الذي يختزل العدالة الانتقالية في تحديد شخص ارتكب الفعل ثم الاكتفاء بإدانته الرمزية، يحول مسألة حقوقية بنيوية إلى حكاية أخلاقية عن أفراد، ويترك الضحية في موقع المتفرج على عدالة لا تخصه. أما جبر الضرر في معناه الحقوقي الصحيح فهو التزام تتحمله الدولة تجاه من أصابهم الأذى، وهو قائم سواء عرف الجلاد أو جهل، وسواء كان حيا أو ميتا، وسواء اعترف أو أنكر.

ومن المفارقات أن التركيز على أسماء الماضي يوحي بأن الجلاد لم يعد يعيش بيننا، وأن الانتهاك صفحة أغلقت. والواقع أن الجلاد ليس شخصا فحسب، بل هو موقع وسلطة وسلوك، يتجدد بتجدد شروط إنتاجه. فمن عذب في المخافر قد يكون غادر الخدمة، لكن المنطق الذي سمح له بالتعذيب، من إفلات من العقاب وغياب للرقابة وتواطؤ مؤسساتي، قد يظل قائما في أماكن أخرى وبأشكال أخرى. ولهذا فإن الحديث عن جبر الضرر دون مساءلة هذه الشروط يظل ناقصا، لأنه يعالج الجرح ولا يسأل عن اليد التي ما زالت قادرة على تكراره.

وهنا يفرض السؤال نفسه: لمن نعطي صفة الجلاد؟ إن حصرها في الشرطي الذي مارس التعذيب في المخفر تبسيط مخل. فالجلاد قد يكون القاضي الذي أصدر حكما وهو يعلم أن الاعتراف انتزع تحت الإكراه، أو الذي أغمض عينيه عن آثار التعذيب الظاهرة على المتهم، أو الذي رفض فتح تحقيق حين ادعى المعتقل أنه عذب. وقد يكون الإداري في المقاطعة الذي أدار الرقاب بالتضييق والمنع والحرمان، أو المسؤول الذي حول الإدارة إلى أداة عقاب للمعارضين والمطالبين بحقوقهم. وقد يكون في مؤسسات أخرى لا تظهر في سجلات الانتهاكات التقليدية، كل جهاز يملك سلطة على إنسان ويستعملها لإذلاله أو إسكاته أو سحق كرامته. فالجلاد بهذا المعنى لا يقاس بالأداة التي استعملها، سواء كانت سوطا أو حكما أو قرارا إداريا أو صمتا متعمدا، وإنما بالأثر الذي أحدثه في جسد الضحية وكرامتها وحقوقها.

وينبغي كذلك أن نوسع مفهوم الجلاد معنويا لا ماديا فقط. فالتعذيب لا يترك دائما أثرا على الجسد، وقد يكون أشد وطأة حين يمس الاعتبار والمكانة والمستقبل. أن يحرم إنسان من عمله أو دراسته أو جواز سفره أو حقه في التقاضي، أن يشهر به أو يهدد في أسرته، أن يترك سنوات في انتظار قرار لا يأتي، كل هذه صور من الإيلام المنظم يمارسها جلادون لا يحملون هراوة ولا يرتدون زيا موحدا. وإذا ظل خطابنا الحقوقي أسير الصورة النمطية للجلاد، فسنفقد القدرة على رؤية هذه الأشكال وعلى المطالبة بجبر ما ترتب عنها.

أما المسألة الأكثر إيلاما في هذا الباب فهي شهادات الضحايا. فمن المعلوم أن كثيرا من المعتقلين الذين عذبوا قد أدلوا بشهاداتهم، واجتهدوا في استعادة ما جرى لهم بدقة ومشقة نفسية كبيرة، غير أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان لا يعترف بتلك الشهادات أو لا يأخذ بها في تحديد صفة الضحية واستحقاق الجبر. وهذا الموقف يطرح إشكالا جوهريا، فالشهادة في سياق الانتهاكات الجسيمة ليست مجرد رواية يشك فيها حتى يثبت العكس، بل هي في كثير من الأحيان الدليل الوحيد المتاح، لأن الانتهاك وقع في أماكن مغلقة وبعيدا عن الرقابة، ولأن الجهة التي ارتكبته هي نفسها التي تحتفظ بالوثائق أو تتحكم في مصيرها. ومطالبة الضحية بإثبات ما يستحيل عليه إثباته تقلب عبء الإثبات رأسا على عقب، وتجعل الدولة خصما وحكما في آن واحد.
ولهذا فإن المعايير الدولية في العدالة الانتقالية تؤكد أن شهادة الضحية ذات قيمة إثباتية خاصة، وأن الاعتراف بها جزء من الاعتراف بكرامة صاحبها. فرفض الشهادة لا يحرم الضحية من التعويض المادي فحسب، بل يعيد إنتاج الإنكار الذي عاناه أصلا، ويضيف إلى الانتهاك الأول انتهاكا ثانيا هو التشكيك في الألم نفسه. وجبر الضرر الذي لا يبدأ بتصديق الضحية يفقد جوهره، ويتحول إلى إجراء إداري بارد تحكمه الشكليات لا العدالة.
إن جبر الضرر الحقيقي يتجاوز التعويض المالي إلى منظومة متكاملة تشمل رد الاعتبار والاعتراف الرسمي والتأهيل النفسي والاجتماعي والكشف عن الحقيقة وضمانات عدم التكرار. وهذه الضمانات الأخيرة هي التي تفضح ضعف المقاربة التي تنشغل بأسماء الماضي، لأن عدم التكرار لا يتحقق بإدانة من رحل، وإنما بإصلاح القضاء وتحصين المؤسسات وتجريم التعذيب فعليا وإنهاء الإفلات من العقاب أينما وجد، في المخفر والمحكمة والإدارة على السواء.
وخلاصة القول إن الانتقال من منطق الجلاد الفرد إلى منطق المسؤولية المؤسساتية هو ما يمنح جبر الضرر معناه. فالضحية لا تنتظر فقط أن يدان شخص بعينه، بل أن تعترف الدولة بما جرى، وأن تصدق شهادتها، وأن تضمن ألا يعيش غيرها ما عاشته. وما دام الجلاد يفهم على أنه الشرطي وحده، وما دامت الشهادات ترد لأن ورقة لم تستكمل، فإن العدالة ستظل ناقصة، وسيظل جبر الضرر وعدا مؤجلا لا حقا مكتسبا.


لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك