عبد السلام الكلاعي يكتب:الآن يجب علينا استخلاص الدروس من هذا النجاح الكروي

عبد السلام الكلاعي يكتب:الآن يجب علينا استخلاص الدروس من هذا النجاح الكروي
أقلام حرة / الثلاثاء 07 يوليوز 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم:عبد السلام الكلاعي

الآن يجب علينا استخلاص الدروس من هذا النجاح الكروي الذي صار مستمراً وقاراً. يجب على المسؤولين في بلادنا أن يطرحوا على أنفسهم سؤال: لماذا نجحنا في الكرة وفشلنا في كثير من القطاعات الأخرى؟ والجواب المستخلص من درس كرة القدم يمكن تلخيصه في عبارة واحدة، هي:
"النجاح لا يأتي من كثرة الخطابات، بل من بناء مؤسسات مستقرة يقودها أهل الاختصاص، ضمن رؤية طويلة المدى، مع محاسبة واضحة على النتائج."
هذا هو الفرق الجوهري بين ما تحقق في كرة القدم وما تعانيه قطاعات أخرى في المغرب. ومن هذا التباين يمكن استخلاص سبعة دروس رئيسية:
1. الاستراتيجية أهم من التدبير اليومي:
نجاح كرة القدم المغربية لم يكن نتيجة بطولة واحدة أو جيل واحد، بل نتيجة عمل استمر سنوات، شمل:
الاستثمار في التكوين.
تطوير البنية التحتية.
وضع أهداف بعيدة المدى.
الاستمرار رغم بعض الإخفاقات.
في المقابل، تعاني قطاعات مثل التعليم أو الصحة من كثرة الإصلاحات المتعاقبة، حيث يأتي كل مسؤول بخطة جديدة قبل أن تُقيَّم الخطة السابقة.
الدرس: يجب أن تكون هناك استراتيجيات وطنية مستقرة لعشر أو عشرين سنة، لا تتغير بتغير الوزراء.
2. اختيار الكفاءة قبل الولاء:
في كرة القدم، أصبح معيار النجاح هو الكفاءة:
اختيار مدربين مؤهلين.
الاعتماد على خبراء.
استقطاب أفضل الأطر.
أما في قطاعات أخرى، فيُثار دائماً النقاش حول تأثير الاعتبارات السياسية أو الإدارية في التعيينات، وهو ما يضعف الأداء.
الدرس: المناصب القيادية يجب أن تُمنح لمن يملك القدرة على الإنجاز، لا لمجرد الأقدمية أو القرب من دوائر القرار أو بالولاء السياسي.
3. الاستثمار في الإنسان قبل الحجر:
إنشاء الملاعب مهم، لكن الأهم كان الاستثمار في:
تكوين اللاعبين.
المدربين.
الأطباء.
مكتشفي المواهب.
علوم الرياضة.
وينطبق الأمر نفسه على:
الصحة: الطبيب أهم من المبنى.
التعليم: الأستاذ أهم من المؤسسة.
الثقافة: المبدع أهم من المقر الإداري.
الإعلام: الصحفي الكفء أهم من التجهيزات.
4. منح المؤسسات استقلالية في القرار:
الجامعة الملكية لكرة القدم نجحت لأنها تمتعت بهامش معتبر من الاستقلال في تدبير شؤونها.
أما عندما تخضع المؤسسات لتدخلات متعددة ومتكررة، فإن اتخاذ القرار يصبح أبطأ وأكثر ارتباكاً وتأثراً بالاعتبارات غير المهنية.
الدرس: المسؤول يجب أن يُمنح صلاحيات حقيقية، ثم يُحاسب على النتائج.
5. الاعتماد على البيانات لا الانطباعات:
في كرة القدم الحديثة:
الإحصائيات.
التحليل الرقمي.
تقييم الأداء.
قياس النتائج.
كل قرار يبني على معطيات حقيقية وواقعية.
في المقابل، لا تزال السياسات العمومية في القطاعات الأخرى تعتمد بدرجات متفاوتة على تقديرات أو انطباعات أو ميولات المسؤولين وحتى حين تكون هناك بعض المؤشرات في لا تستغل بالشكل كافٍ.
الدرس: يجب أن تصبح البيانات أساساً لاتخاذ القرار في الصحة والتعليم والثقافة والإعلام.
6. الثقة في الشباب:
كرة القدم المغربية استفادت من:
اللاعبين الشباب.
الكفاءات المغربية بالخارج.
الأفكار الجديدة.
بينما تعاني قطاعات أخرى من بطء أو أحياناً من انعدام تجديد النخب.
الدرس: إعطاء الشباب فرصاً حقيقية في القيادة والابتكار.
7. المحاسبة على النتائج:
في الرياضة لا يمكن إخفاء النتيجة:
فوز أو خسارة.
ترتيب عالمي.
عدد الأهداف.
عدد الألقاب.
أما في قطاعات أخرى، يصعب على المواطن قياس أثر السياسات العامة بشكل مباشر.
الدرس: يجب تحديد مؤشرات أداء واضحة لكل مؤسسة، مثل:
مدة انتظار المرضى.
مستوى التلاميذ.
نسب القراءة.
جودة الإنتاج الثقافي.
ثقة الجمهور في وسائل الإعلام.
كيف ينعكس ذلك على كل قطاع؟
الصحة: التركيز على جودة الخدمة، وتكوين الموارد البشرية، وربط المسؤولية بنتائج قابلة للقياس.
التعليم: إصلاح مستقر، والارتقاء بمكانة الأستاذ، وتقييم مستمر للمخرجات التعليمية.
الإعلام: تعزيز المهنية والاستقلالية، والاستثمار في الكفاءات والمحتوى.
الثقافة والفنون: اعتبار الثقافة استثماراً استراتيجياً، ودعم الإبداع وفق معايير الجودة والشفافية، لا وفق منطق المناسبات أو العلاقات والولاءات.
الإدارة العمومية: تبسيط الإجراءات، ورقمنة الخدمات، وتقييم أداء المؤسسات على أساس ما يلمسه المواطن.
الخلاصة هي أن النجاح الكروي المغربي ليس معجزة، بل ثمرة عناصر معروفة في علم الإدارة والتنمية: رؤية طويلة الأمد، واستمرارية، واستثمار في الإنسان، وحكامة جيدة، وتقييم للأداء، وربط للمسؤولية بالمحاسبة. وإذا أمكن نقل هذه المبادئ، مع تكييفها مع خصوصية كل قطاع، فمن المرجح أن تتحسن نتائج مجالات مثل الصحة والتعليم والثقافة والإعلام. فالدرس الأهم ليس كيفية الفوز في مباراة كرة قدم، بل كيفية بناء مؤسسات قادرة على تحقيق نتائج مستدامة تخدم المواطنين.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك