بقلم: د . محمد أحدو
يشكل العمل الجمعوي الجاد رافعة أساسية من رافعات التنمية
المحلية والاجتماعية، ودعامة محورية لتأطير الناشئة وترسيخ قيم التضامن والمواطنة
الحقة. غير أن الواقع الميداني للممارسة الجمعوية في الكثير من الحواضر المغربية،
وفي مدينة سيدي يحيى الغرب وعموم المنطقة، يعاني من أعطاب بنيوية واعتلالات عميقة
تعيق أدواره في التأطير والتكوين. وتأتي حالة حل "جمعية أصدقاء وصديقات
ثانوية ابن زيدون للتنمية الثقافية والاجتماعية" اليوم، بعد مسار وُصِم
بالتفاني والبذل الذاتي الخالص، لتعيد إلى الواجهة نقاشاً أوسَع وأعمق حول أزمة
العمل الجمعوي ومستقبل المبادرات المواطنة في ظل بيئة غير محفزة وتغييب تام لدعم
الاستمرارية.
لقد أثبتت تجربة هذه الجمعية، كنموذج للجمعيات المحلية الجادة طيلة تسع سنوات من الاشتغال الميداني
(2017-2026)، أن العمل التطوعي القائم على الغيرة الوطنية والإخلاص يستطيع صناعة
الفارق؛ حيث نجحت في نسج نموذج راقٍ ومتكامل للتدخل الإيجابي تجاوز أثره الجانب
المادي البحت ليطال الأبعاد البيئية والثقافية والاجتماعية. فعلى المستوى البيئي
والمجالي، بصمت الجمعية على مشاريع نوعية كغراسة الأحواض المدرسية بالثانوية
التأهيلية ابن زيدون بمدينة سيدي يحيى الغرب وربطها ببئر ارتوازي وشبكة تقطير بلغت
نحو كيلومتر، إلى جانب حملات النظافة المتواصلة وزراعة الأمل بالورود في كل أركان
المؤسسة.
أما على المستوى الثقافي والتربوي، فقد أقدمت الجمعية على إحداث
وتجهيز مكتبة نموذجية متكاملة بالثانوية نفسها، مزودة بالطاولات والكراسي
والحواسيب والربط بالإنترنت، وعززتها برصيد وثائقي غني ضم 1860 كتاباً ومجلداً،
فضلاً عن دورها المتميز في عقد لقاءات تواصلية سعياً لتجميع الأطر والكفاءات
والأساتذة من التلميذات والتلاميذ خريجي هذه المؤسسة العريقة — والكثير منهم اليوم
أطر وطنية بالمغرب وخارجه من أجيال مختلفة مرت بالمؤسسة، ومع أطقمها الإدارية
والتربوية السابقة — للاحتفاء بذاكرتها في لفتة هامة تبرز تجميع الكفاءات ذات
الأصول المحلية التي تقوم بدورها اليوم خدمة للوطن داخل المغرب وخارجه. ولم يقتصر
عمل الجمعية على ذلك، بل امتد ليشمل دعم التمدرس والوقوف إلى جانب التلاميذ
المعوزين، ومواكبة المبادرات النوعية خدمة للمدينة، وفي طليعتها إسهامها البارز في
دعم "الكتاب الجماعي" ومشاركة
بعض اطر الجمعية في عملية الانجاز الجماعي ،
الذي أضحى اليوم وثيقة المدينة ومرجعها التاريخي والثقافي.
غير أن هذا العطاء الغزير اصطدم بمفارقة صادمة تتمثل في اشتغال
المبادرة طيلة سنوات بإمكانياتها الذاتية المحضة ومساهمات أفرادها ودون الاستفادة
من أي دعم أو تشجيع، ليأتي قرار حل الجمعية من أعضائها — بكل أسف — تعبيراً عن
شجاعة ومسؤولية وبراءة الذمة في لحظاتها الأخيرة، وذلك على خلفية غياب أي مساندة
أو دعم لهذه المبادرة الجمعوية الفاعلة. وهو ما يثير قدراً عالياً من الأسى
والحرقة لضياع إطار مدني جاد في وقت تعاني فيه مدينة سيدي يحيى الغرب من غياب كلي
للبنيات الثقافية الحاضنة، كغياب مركز ثقافي متعدد الأنشطة، واستمرار إغلاق دار
الثقافة إلى أجل غير مسمى، إلى جانب التكاثر العددي للجمعيات بتراب الجماعة مع
محدودية الفاعلة والنشيطة منها.
وما يزيد من عمق الجرح ويؤكد أبعاد الأزمة هو أن المبادرات
الجمعوية الجادة تكون دائماً بلا سند أو دعم أو تشجيع؛ إذ تزامن هذا القرار المأسوف
عليه مع صدور بيان استقالة رئيسة "جمعية النجم الأحمر" العتيدة بمشرع
بلقصيري، والتي لها سجل ثقافي حافل بالمحطات الإبداعية المحلية والوطنية، وجاءت
خطوتها على ضوء غياب الدعم والتهميش الممنهج. وهو ما يؤكد للأسف أن كل المبادرات
الجمعوية الثقافية والمدنية والتربوية الجادة والنوعية ببلادنا محكوم على اغلبها اليوم بأن تبقى عرضة للضياع والاندثار في غياب
أي مساندة حقيقية أو احتضان رسمي لتجاربها المتميزة.
إن الإعلان عن توقف هذه التجارب الرائدة يضعنا أمام مرآة
الواقع الجمعوي بكل اعتلالاته؛ فأعطاب التأطير، وغياب استراتيجيات واضحة لدعم
الجمعيات الحقة، وسياسة عدم تشجيع هذه المبادرات، تكرس مفارقة مؤلمة قوامها إغداق
الرعاية والتشجيع على واجهات جمعوية مقابل
تهميش وإقصاء المبادرات أخرى جادة ومسؤولة
التي تصنع الأثر الحقيقي.
لذلك، فإن طي صفحة
"جمعية أصدقاء وصديقات ثانوية ابن زيدون" ونظيراتها يمثل رسالة ملحة لكل
المعنيين بضرورة إعادة الاعتبار للعمل الجمعوي الجاد والمتميز؛ فمثل هذه القرارات
— التي نتمنى التراجع عنها — لا تشكل فقط نهاية مسار إطار متميز، بل هي ناقوس خطر
يقرع للتنبيه إلى ضرورة تصحيح البوصلة، وترمييم أعطاب الحقل المدني، وتوفير
البنيات التحتية الثقافية الحاضنة، وخلق بيئة مؤسساتية منصفة تجعل من الدعم وسيلة
لخدمة التنمية لا مطية للعبث، وتُعيد للتطوع الحقيقي قيمته كشريك أساسي في البناء
المحلي والوطني.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك