التطبيع مع إسرائيل..من صفقة دبلوماسية إلى سؤال عن السيادة:ماذا يحدث في المغرب؟

التطبيع مع إسرائيل..من صفقة دبلوماسية إلى سؤال عن السيادة:ماذا يحدث في المغرب؟
أقلام حرة / الأحد 27 شتنبر 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم:لبنى مطرفي

كان من السهل، عند إعلان استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية سنة 2020، أن يُقدَّم الأمر باعتباره صفقة سياسية واضحة: المغرب يحصل على دعم أمريكي لموقفه من قضية الصحراء، وإسرائيل تفتح باباً جديداً نحو العمق إفريقي، والولايات المتحدة تعزز تحالفاتها في المنطقة.

لكن بعد ست سنوات، لم يعد السؤال الحقيقي هو: هل استفاد المغرب من التطبيع أم لا؟

السؤال الأصعب هو: ما الثمن الذي يدفعه المغرب، ومن يستفيد استراتيجيا،اقتصادياً وسياسيا من هذه العلاقة، وهل تحولت المصالح المشتركة إلى تبعية جديدة؟

والأخطر أن الإجابة لا تحتاج إلى نظريات المؤامرة. فالأرقام والاتفاقيات والاستثمارات الموجودة أمامنا تطرح أسئلة كافية.

الصحراء المغربية: الوعد الأمريكي لم يُسحب ولكن المعادلة تغيرت حيث من الضروري تصحيح فكرة متداولة اليوم: الولايات المتحدة لم تتراجع عن اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء، بل حدث العكس.

في 16 شتنبر 2026، اجتمع مسؤولون أمريكيون ومغاربة وإسرائيليون في نيويورك، وأكدت واشنطن وتل أبيب مجدداً اعترافهما بسيادة المغرب على كامل الصحراء ودعمهما لمقترح الحكم الذاتي المغربي. وفي الوقت نفسه، اتفق المغرب وإسرائيل على الارتقاء بالعلاقات الدبلوماسية إلى مستوى السفارات، واستكمال اتفاقيات لحماية الاستثمارات ومنع الازدواج الضريبي.

إذن المشكلة ليست أن أمريكا «أخذت وعدها» من المغرب، المشكلة الأكثر تعقيداً هي أن الاعتراف الأمريكي أصبح جزءاً من منظومة استراتيجية أوسع، بينما أصبح المغرب أكثر ارتباطاً بمحور أمريكي-إسرائيلي في ملفات الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا والزراعة والماء.

وفي الوقت نفسه، ظهرت محاولة أمريكية جديدة لإشراك الجزائر في البحث عن تسوية لقضية الصحراء. وقد وصف معهد واشنطن هذه التحركات في فبراير 2026 بأنها تحول مهم عن المسار التقليدي الذي قادته الأمم المتحدة.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً:هل تستطيع الرباط الاستفادة من الانفتاح على واشنطن وإسرائيل، من دون أن تتحول القضية الوطنية إلى ورقة ضمن ترتيبات إقليمية أكبر؟وهذا سؤال سياسي مشروع، وليس اتهاماً.

إسرائيل لم تدخل المغرب من باب السياسة فقط، فالجانب الذي يستحق التدقيق أكثر هو الاقتصاد.

وبعد التطبيع، لم تعد العلاقة مجرد سفارات وسياحة ورحلات جوية، فقد دخلت الشركات الإسرائيلية بقوة إلى قطاعات حساسة، خصوصاً الفلاحة والماء والتكنولوجيا الزراعية.

فشركة Netafim الإسرائيلية، المتخصصة في تقنيات الري بالتنقيط، افتتحت مصنعاً في القنيطرة سنة 2023، والأكثر إثارة للجدل هو قطاع الأفوكادو.

شركة Mehadrin الإسرائيلية، وهي من الشركات الكبرى في قطاع الزراعة والغذاء بإسرائيل، أعلنت عن مشروع لزراعة الأفوكادو على مساحة تقارب 455 هكتاراً في المغرب، باستثمار يقارب 8 ملايين دولار، مع هدف تصدير يصل إلى 10 آلاف طن سنوياً.

وهنا لا ينبغي اختزال القضية في عبارة «إسرائيل أخذت الأفوكادو».

المشكلة الأعمق هي:لماذا يُسمح بتوسيع زراعة محصول شديد الاستهلاك للماء في بلد يعيش أزمة مائية حادة؟

بحسب المعطيات التي أوردها تحقيق حول الاستثمارات الزراعية الإسرائيلية، تقدر وزارة الفلاحة المغربية احتياجات الهكتار الواحد من الأفوكادو المروي بالتنقيط بنحو 4 آلاف إلى 8 آلاف متر مكعب من الماء سنوياً.

إذن القضية ليست جنسية المستثمر فقط، القضية هي: من يملك الماء؟ ومن يقرر ماذا نزرع؟ ولمن ننتج؟

إذا كان الفلاح المغربي الصغير مطالباً بتقليص استهلاك الماء، بينما تتوسع الزراعات الموجهة للتصدير، فإن السؤال يصبح سؤالاً عن نموذج التنمية نفسه.

والمفارقة أن المغرب لا ينتج فقط من أجل المغاربة.

جزء مهم من النموذج الزراعي والصناعي المغربي مبني على التصدير إلى أوروبا والأسواق الخارجية، والتعاون الإسرائيلي يمكن أن يعزز هذا النموذج.

فالتكنولوجيا الإسرائيلية تقدم حلولاً للري والزراعة في بيئة تعاني من الجفاف، لكن الشركات الأجنبية في المقابل تحصل على سوق واستثمارات وإمكانية الوصول إلى الإنتاج المغربي والأسواق الأوروبية والإفريقية.

وبحسب تحليل نشره مشروع أبحاث الشرق الأوسط، فإن التجارة المغربية الإسرائيلية شهدت توسعاً بعد التطبيع، مع اختلاف واضح في طبيعة السلع المتبادلة: إسرائيل تصدر للمغرب بدرجة كبيرة معدات وتقنيات ومواد صناعية وزراعية، بينما تشمل الصادرات المغربية منتجات زراعية ومواد غذائية ومنتجات صناعية.

هنا يجب أن نطرح سؤالاً لا يخص إسرائيل وحدها:

هل يريد المغرب أن يكون بلداً ينتج المواد والموارد ويصدرها، أم بلداً يمتلك التكنولوجيا والقيمة المضافة أيضاً؟

لأن المشكلة لا تبدأ عندما تكون الشركة إسرائيلية، بل المشكلة تبدأ عندما تكون الأرض والماء واليد العاملة محلية، بينما القيمة الأكبر تخرج إلى الخارج.

وماذا عن الأراضي والمنازل؟ حيث تنتشر في السنوات الأخيرة روايات كثيرة عن استحواذ إسرائيلي واسع على منازل وأراضٍ فلاحية، خصوصاً في مناطق ذات حضور أمازيغي.

لكن هذه النقطة بالذات تحتاج إلى الحذر، حيث أنني صحافية لم أجد في المصادر التي راجعتها دليلاً موثوقاً يسمح بالقول إن هناك عملية عامة ومنظمة لاستيلاء إسرائيلي على «منازل وأراضٍ أمازيغية» في المغرب.

وهذا لا يعني أن كل عمليات شراء العقارات أو الأراضي الأجنبية غير موجودة.

بل يعني شيئاً أهم:إذا كان هناك انتقال كبير للملكية العقارية إلى مستثمرين أجانب، فإن المطلوب هو كشف البيانات الرسمية: من اشترى؟ ماذا اشترى؟ أين؟ وبأي قيمة؟ ولأي غرض؟

فالدولة التي تثق في سلامة سياساتها لا تخاف من نشر هذه الأرقام، بل العكس، الشفافية هي التي تمنع الإشاعة من التحول إلى حقيقة في أذهان الناس.

أما الحكاية الأخطر فهي الماء، فيمكن أن تختلف مع التطبيع أو تؤيده، ويمكن أن ترى إسرائيل شريكاً تكنولوجياً أو ترى فيها قوة اقتصادية وسياسية لها مصالحها.

لكن هناك ملفاً لا يحتمل كثيراً من الشعارات:الماء، حيث المغرب يعيش ضغطاً مائياً متزايداً، والفلاحة من أكبر القطاعات استهلاكاً للمياه.

وفي هذه الظروف، يصبح السؤال عن الأفوكادو والزراعات التصديرية والاستثمارات الأجنبية سؤالاً سيادياً:

هل الأولوية هي للأمن الغذائي للمغاربة؟أم للعملة الصعبة؟أم للتصدير؟أم لجذب الاستثمار؟أم يمكن تحقيق هذه الأهداف كلها، ولكن بترتيب واضح للأولويات؟

هذه ليست معركة بين «المغرب» و«إسرائيل»، إنها معركة بين نموذجين اقتصاديين:نموذج يجعل الموارد الوطنية وسيلة لخدمة المجتمع، ونموذج يجعل المجتمع والموارد جزءاً من سلسلة إنتاج عالمية تبحث أولاً عن الربح والتصدير.

وماذا عن الحكومة المقبلة؟، فبعد الانتخابات التشريعية الأخيرة، بدأت التكهنات حول الشخصية التي ستقود الحكومة المقبلة.

لكن لا توجد، حتى الآن، أرضية كافية لتقديم اسم معين باعتباره رئيس الحكومة القادم.

بل إن النظام الدستوري المغربي يجعل تعيين رئيس الحكومة مرتبطاً بالحزب الذي يتصدر الانتخابات، مع ضرورة تشكيل أغلبية حكومية. كما أن السلطة الملكية تحتفظ باختصاصات استراتيجية أساسية.

لذلك فإن ربط «الحكومة المقبلة» مسبقاً بشخص معين، ثم بناء سيناريو كامل على أنه سيشرّع قوانين ضد الدين أو الثقافة المغربية، يبقى استنتاجاً سياسياً لا حقيقة مثبتة.

لكن هناك سؤالاً مشروعاً يجب طرحه، إلى أي حد ستستمر الدولة في إعادة تشكيل القوانين والمجتمع تحت ضغط التحولات الاقتصادية والحقوقية والدولية؟

وهنا ينبغي أن يكون النقاش ناضجاً، المغرب مجتمع مسلم، له تاريخ وثقافة وعادات وتقاليد متنوعة، وفي الوقت نفسه دولة لها دستور ومؤسسات والتزامات دولية.

التحدي الحقيقي ليس في رفع شعار «مع» أو «ضد»، حيث التحدي هو أن تكون أي إصلاحات قانونية نابعة من نقاش مغربي واسع، لا نتيجة ضغط خارجي ولا رغبة في إرضاء أي طرف أجنبي.

والمفارقة الكبرى اليوم، أن العلاقات المغربية الإسرائيلية، بدلاً من أن تتراجع، تتجه إلى مرحلة جديدة.

في سبتمبر 2026، اتفق الطرفان على رفع العلاقات إلى مستوى السفارات، وإعادة الرحلات المباشرة، وتعزيز التعاون في الاستثمار والتجارة والتكنولوجيا والأمن والماء والفلاحة والطاقة والاتصالات.

أي أن السؤال لم يعد:هل حدث التطبيع؟لقد حدث، والسؤال الآن،إلى أين سيصل؟

وهنا ينبغي للمغاربة أن يطلبوا شيئاً بسيطاً جداً، الأرقام:

كم استثمرت الشركات الإسرائيلية؟

كم ربحت؟

كم وفرت مناصب شغل للمغاربة؟

كم هكتاراً أصبحت تحت سيطرة المستثمرين الأجانب؟

كم من الماء تستهلك المشاريع الزراعية التصديرية؟

كم تذهب أرباحها إلى المغرب وكم يخرج منه؟

ما هي الشركات المستفيدة؟

ومن يراقب العقود؟

هذه الأسئلة أقوى من كل فيديوهات مواقع التواصل الاجتماعي، فالمغرب لا يحتاج إلى شيطنة إسرائيل ولا إلى تقديسها

فيمكن للدولة أن تتعامل مع إسرائيل اقتصادياً ودبلوماسياً، وفي الوقت نفسه تضع خطوطاً حمراء واضحة لحماية الماء والأرض والغذاء والمصلحة الوطنية.

ويمكن للمغرب أن يستفيد من التكنولوجيا الإسرائيلية، كما يستفيد من التكنولوجيا الأمريكية والأوروبية والصينية والتركية وغيرها، من دون أن يتحول إلى سوق مغلق على مصدر واحد للتكنولوجيا أو رأس المال.

فالسيادة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تعني فقط امتلاك الحدود.

السيادة تعني أيضاً:

أن تملك قرارك في الماء.

أن تملك قرارك في الغذاء.

أن تملك التكنولوجيا التي تستعملها.

أن تعرف من يملك الأرض.

أن تعرف أين تذهب الأرباح.

وأن يكون المواطن آخر من يدفع ثمن الصفقات التي لا يعرف تفاصيلها.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأكثر خطورة:«ماذا أعطى المغرب لإسرائيل؟»

بل:هل يستطيع المغرب أن يدخل شراكات عالمية قوية، مع إسرائيل أو غيرها، من موقع الشريك الذي يفاوض ويحمي مصالحه، لا من موقع البلد الذي يبيع موارده مقابل مكاسب سياسية قصيرة المدى؟»

هذا هو الاختبار الحقيقي لأي حكومة مقبلة، وهو أيضاً الاختبار الحقيقي لفكرة السيادة نفسها.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك