أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقرر تنظيمها في المغرب
يوم 23 شتنبر الجاري، تتزايد الملاحظات حول طبيعة التفاعل الشعبي مع الحملات
الانتخابية، وسط انطباعات متباينة بشأن مستوى الحماس الذي يرافق هذا الاستحقاق،
خصوصاً في بعض الدوائر التي تشهد عودة مرشحين سبق لهم تحمل المسؤولية خلال ولايات
سابقة، قبل أن يغيبوا عن مناطقهم ودوائرهم الانتخابية لسنوات، وهو ما يجعل العلاقة
بين المرشح والناخب أمام اختبار جديد، ويضع الأحزاب السياسية أمام سؤال جوهري
يتعلق بقدرتها على استعادة الثقة وإقناع المواطنين بأن المشاركة السياسية يمكن أن
تنتج تمثيلية تستجيب لانتظاراتهم.
وتأتي هذه الملاحظات في وقت دخلت فيه الحملة الانتخابية رسمياً
مرحلة حاسمة، بعدما انطلقت يوم 10 شتنبر وتستمر إلى منتصف ليلة 22 شتنبر، بينما
حدد يوم 23 شتنبر موعداً للاقتراع، وتؤكد المعطيات الرسمية أن الحملة تخضع لضوابط
قانونية دقيقة ترمي إلى ضمان تكافؤ الفرص وحماية حرية الناخبين، بما في ذلك منع
بعض أشكال التأثير على إرادة الناخب، وتنظيم استعمال المنشورات والإعلانات
والتجمعات ووسائل التواصل، وهي مقتضيات تعكس أهمية نزاهة المنافسة في تحديد صورة
الاستحقاق لدى المواطنين.
وفي الشارع، يبدو أن جزءاً من النقاش لم يعد مرتبطاً فقط
بالبرامج الانتخابية أو الشعارات التي ترفعها الأحزاب، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بسجل
المرشحين ومدى حضورهم الفعلي في الدوائر التي يسعون إلى تمثيلها، إذ تواجه بعض
الوجوه السياسية، بحسب الملاحظات المتداولة، انتقادات من مواطنين يتساءلون عن
أسباب غيابها خلال السنوات الماضية وعن طبيعة الحصيلة التي يمكن أن تقدمها
للناخبين، وهو نقاش قد يجعل الحملات الانتخابية مناسبة لمساءلة المرشحين أكثر من
كونها مجرد محطة لعرض الوعود، خصوصاً بالنسبة إلى من سبق لهم تولي المسؤولية
والعودة من جديد لطلب أصوات المواطنين.
وتزداد حساسية هذا النقاش عندما يتعلق الأمر بمسألة العزوف، لأن
ضعف المشاركة، إذا تأكد يوم الاقتراع، لا يرتبط فقط بالأحزاب والمرشحين، وإنما
يطرح سؤالاً أوسع حول طبيعة العلاقة بين المجتمع والمؤسسات المنتخبة، فكلما اتسعت
المسافة بين المواطن والعمل السياسي، أصبح من الضروري البحث في الأسباب التي دفعت
فئات من المجتمع إلى فقدان الاهتمام بالانتخابات، سواء تعلق الأمر بالشعور بعدم
جدوى التصويت أو ضعف الثقة في الوعود الانتخابية أو عدم اقتناع الناخبين بأن تغيير
الوجوه يمكن أن يؤدي بالضرورة إلى تغيير ملموس في حياتهم اليومية، وهي أسئلة لا
يمكن حسمها قبل ظهور النتائج الرسمية ونسبة المشاركة الفعلية.
وفي المقابل، فإن اختزال المشهد السياسي المغربي في عدد الوزراء
أو مقارنته بصورة مباشرة مع حكومات دول أخرى قد لا يعكس بصورة دقيقة اختلاف
الأنظمة الدستورية والإدارية وتوزيع الاختصاصات، فالدستور المغربي ينص على أن
الحكومة تتألف من رئيس الحكومة والوزراء ويمكن أن تضم كتاب دولة، كما أن حجم
الحكومة يرتبط بتوزيع القطاعات والاختصاصات التي تديرها، وبالتالي فإن النقاش
الأكثر أهمية لا يتعلق بالعدد في حد ذاته، بقدر ما يرتبط بمدى وضوح المسؤوليات
وفعالية الأداء الحكومي وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي عناصر يمكن للمواطن تقييمها
بعيداً عن مجرد مقارنة الأرقام بين الدول.
ومن هنا يبرز سؤال آخر حول مستقبل العلاقة بين الانتخابات
والحكومة المقبلة، خصوصاً إذا أظهرت النتائج مستوى مرتفعاً من عدم المشاركة، إذ قد
يفتح ذلك نقاشاً سياسياً ومجتمعياً حول كيفية إعادة بناء الثقة وتطوير أداء
الأحزاب والمؤسسات المنتخبة، غير أن الحديث عن تشكيل حكومة تكنوقراطية لتدبير
المرحلة يظل في الوقت الراهن سيناريو افتراضياً لا يستند إلى إعلان رسمي، بينما المسار
الدستوري واضح في أن نتائج الانتخابات والمصادقة عليها تسبق مرحلة تشكيل الحكومة
الجديدة وتعيين رئيسها وفق المقتضيات الدستورية، ولذلك فإن أي حديث عن تغيير طبيعة
الحكومة المقبلة يبقى مرتبطاً بما ستفرزه صناديق الاقتراع وما ستقرره المؤسسات
الدستورية بعد ذلك.
ويحتل ملف المال العام ومكافحة الفساد بدوره موقعاً مركزياً في
النقاش حول الثقة السياسية، خصوصاً عندما يشعر المواطن بأن قضايا تتعلق بتدبير
المال العمومي لا تجد دائماً، في نظره، ما يكفي من التوضيح أو المحاسبة، غير أن
الحديث عن "مليارات منهوبة" أو اتهام أشخاص محددين بارتكاب جرائم مالية
يتطلب الاستناد إلى ملفات قضائية أو تقارير رسمية محددة، حتى لا تتحول الاتهامات
العامة إلى أحكام مسبقة، وفي المقابل فإن القانون الانتخابي نفسه يضع قواعد
لمراقبة تمويل الحملات، ويلزم المرشحين بإيداع حسابات حملاتهم لدى المجلس الأعلى للحسابات،
الذي يتولى فحصها، بما يجعل الشفافية المالية جزءاً أساسياً من نزاهة العملية
الانتخابية.
كما أن طبيعة الحملات الانتخابية نفسها تغيرت بصورة واضحة، فلم
تعد المنافسة مقتصرة على اللقاءات المباشرة والمنشورات الورقية والتجمعات، بل
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي فضاءً رئيسياً للتواصل السياسي والتأثير في
الناخبين، وهو ما دفع المشرع إلى إدراج عدد من المقتضيات المرتبطة بالمحتوى
الانتخابي الرقمي واستعمال المنصات الإلكترونية وحتى أدوات الذكاء الاصطناعي، كما
أن 27 حزباً سياسياً تشارك في الاستحقاق الحالي، وهو ما يعكس تعدد العروض
السياسية، لكنه يضع الأحزاب في الوقت نفسه أمام تحدي تقديم خطاب وبرامج قادرة على
الوصول إلى الناخبين وإقناعهم بعيداً عن الخطابات العامة والشعارات التي لا ترتبط
بإجراءات قابلة للقياس.
ويبقى السؤال الأهم خلال الأيام القليلة المتبقية قبل الاقتراع
هو ما إذا كانت الحملات الانتخابية ستتمكن من تحويل حالة التردد أو الفتور لدى بعض
المواطنين إلى اهتمام فعلي بالاستحقاق، أم أن صناديق الاقتراع ستكشف استمرار فجوة
الثقة بين جزء من المجتمع والفاعل السياسي، فالمشاركة النهائية لا يمكن استنتاجها
بدقة من مشاهد الحملات أو من ردود الفعل في مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما
ستحددها الأرقام الرسمية بعد إغلاق مكاتب التصويت، كما أن الانتخابات التشريعية لن
تكون مجرد عملية لاختيار أعضاء مجلس النواب، بل ستؤسس أيضاً للمرحلة السياسية
التالية، حيث ستتحدد موازين القوى البرلمانية والمسار الذي سيقود إلى تشكيل
الحكومة الجديدة.
فإن أزمة
الثقة، إذا كانت حاضرة فعلاً في جزء من المجتمع، لا يمكن اختزالها في يوم انتخابي
واحد أو في أسماء مرشحين بعينهم، لأنها ترتبط بعلاقة طويلة المدى بين المواطن
والمؤسسة والحزب والمنتخب، ولذلك فإن استعادة الثقة تحتاج إلى ربط الوعود
بالنتائج، وتعزيز الشفافية في تدبير المال العام، وتفعيل المحاسبة عند ثبوت
المخالفات، وتقوية حضور المنتخبين داخل دوائرهم، وجعل البرامج الانتخابية أكثر
وضوحاً وقابلية للتقييم، وبذلك يصبح النقاش حول الانتخابات أوسع من مجرد سؤال
المشاركة أو العزوف، ليتحول إلى سؤال أساسي حول قدرة المؤسسات السياسية على تجديد
نفسها وإقناع المواطن بأن صوته يمكن أن يكون جزءاً من عملية مساءلة وتغيير مؤسساتي
مستمر.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك