بقلم:مريم جمال الإدريسي
حينما نحيد عن الموضوعية، ونستبيح الخوض في حياة الناس واختياراتهم، ونحاكم مواقفهم وأفكارهم بمنطق الشخصنة، فإننا نغادر فضاء النقاش الحقيقي إلى فضاء التجريح والعنف الرمزي. وهو أسلوب لا يليق بمن يقدمون أنفسهم باعتبارهم نخبا مثقفة أو سياسية، يفترض فيها أن ترتقي بالنقاش العمومي، لا أن تحوله إلى ساحة لتصفية الحسابات واستهداف الأشخاص.
من حق كل إنسان أن يناقش الأفكار والمواقف بكل حرية، وأن يعبر عن رأيه مؤيدا أو معارضا، غير أن حرية التعبير لا تمنح أحدا حق التشهير أو التزييف أو التخويف أو الترهيب والتهديد. كما لا يجوز أن يتحول النقاش من الفعل أو السلوك محل الانتقاد إلى الشخص الذي امتلك الجرأة على كشفه أو مجابهته، لأنه اعتبره مخالفا للقانون أو منافيا للأخلاق.
قد نختلف حول رأي أو موقف، لكن اختلافنا لا يبرر محاكمة شخصية صاحبه أو اقتحام حياته الخاصة. وقبل مساءلة أي شخص، ينبغي تحديد مركزه وصفته في النقاش: هل هو مسؤول يمثل جماعة من الناس؟ وهل يتولى مهمة بموجب انتخاب أو انتداب أو تكليف يبرر مساءلته عن كيفية أدائها؟ أم أنه مجرد مواطن يمارس حقه في التفكير والتعبير؟
فإذا كان الشخص لا يمثلنا، ولا تربطنا به علاقة تعاقدية أو مدنية أو سياسية تخول لنا مساءلته، فمن أين نستمد الحق في ممارسة الوصاية على ما يقوله أو يكتبه أو يؤمن به؟
إن الإشكال الحقيقي الذي نعيشه اليوم لا يكمن في الاختلاف، بل في عجز البعض عن إدراك الحدود الفاصلة بين حرية النقد والرغبة في السيطرة. فكثير من المواجهات لا تهدف إلى مناقشة الفكرة أو تفكيك الحجة، بل إلى إسكات صاحبها وإرغامه على التراجع. وعندما يصبح الهدف هو إسكات الصوت بدلا من مناقشة ما يقوله، فإن الأمر لا يعود اختلافا في الرأي، وإنما يتحول إلى شكل من أشكال العنف.
فمن يجرؤ على فضح سلوكيات قد ترقى إلى جرائم أو اختلالات أو خروقات قانونية وأخلاقية، لا يناقش في مضمون كلامه، بل يستهدف في شخصه. لا يهم عندئذ ماذا قيل، بل من قاله، لأن بعض الأصوات تزعج الضمائر المستكينة، وتوقظ في الداخل إحساسا بالذنب يحاول صاحبه الهروب منه بمهاجمة من نبهه إليه. وحين نعجز عن مواجهة الحقيقة، نحاول إسكات من نطق بها.
وتزداد حدة هذا العنف عندما يتعلق الأمر بالنساء، ولا سيما حين تؤمن المرأة بقدرتها على المشاركة في الشأن العام أو خوض غمار الانتخابات، أيا كان مستواها أو شكلها. عندها تستباح حياتها الخاصة، وتختلق حولها الروايات، ويصبح جسدها وماضيها وعلاقاتها العائلية والاجتماعية مادة للتشهير والتشويه، بدلا من مناقشة مشروعها وكفاءتها ومواقفها.
فتتحول المرأة نفسها إلى موضوع للمحاكمة، لا بسبب ما ارتكبته، بل لأنها خرجت من القالب النمطي الذي أعد لها سلفا، ورفضت أن تبقى في الهامش أو أن تستأذن أحدا في ممارسة حقوقها الدستورية والمشروعة.
ولهذا تدرك كثير من النساء، قبل أن يتحدثن أو يبادرن أو يترشحن، أنهن قد يتعرضن لمختلف أشكال العنف والتخويف والترهيب، لا لشيء إلا لأنهن اخترن الظهور والتأثير والمشاركة. فالمرأة التي تفكر بصوت مرتفع، وتعارض، وتكشف الاختلالات، وتنافس على مواقع القرار، لا تزال في نظر البعض امرأة تجاوزت الحدود المرسومة لها.
قد يكون حضورها مقبولا لدى البعض ومرفوضا لدى آخرين، غير أن الاختلاف حولها لا يمنح أي طرف الحق في إهانتها أو تشويه سمعتها أو المساس بكرامتها وكيانها الإنساني.
إننا في حاجة إلى رفع منسوب الوعي، وإلى مراجعة أساليبنا في الاختلاف. فالأفكار تواجه بالأفكار، والحجج تناقش بالحجج، والسلوكيات تقيم بالقانون والأخلاق. أما الانتقال من مناقشة الموضوع إلى تحليل شخصية المتحدث واستباحة حياته الخاصة، فليس نقدا ولا حرية في التعبير، بل محاولة لتبخيس الفكرة عبر تحطيم صاحبها.
وحين تصبح الشخصنة بديلا عن الحجة، والتشهير وسيلة لمواجهة الرأي، فذلك دليل على أننا لم نتعلم بعد كيف نختلف بحرية، وكيف نحترم الإنسان حتى ونحن نعارضه.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك