الهروب الكبير...لماذا فقد الشباب المغربي الثقة في المستقبل؟

الهروب الكبير...لماذا فقد الشباب المغربي الثقة في المستقبل؟
أقلام حرة / الجمعة 31 يوليوز 2026 / لا توجد تعليقات: تهنئه بمناسبه ذكرى عيد العرش المجيد

بقلم:نعيم بوسلهام 

 لم يعد مشهد اندفاع مئات الشباب المغاربة نحو مدينة سبتة المحتلة حدثاً معزولاً يمكن تفسيره باعتبارات أمنية أو موسمية، بل أصبح مؤشراً سياسياً واجتماعياً يستدعي قراءة أعمق تتجاوز الصور المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي. فكل موجة عبور جماعي تحمل في طياتها رسائل متعددة، بعضها يرتبط بالسياق الإقليمي والعلاقات المغربية الإسبانية، وبعضها الآخر يعكس أزمة داخلية تتعلق بواقع الشباب ومستقبلهم داخل الوطن.

التجربة القريبة تؤكد أن ملف الهجرة غير النظامية لم يكن في أي وقت بعيداً عن توازنات العلاقات بين الرباط ومدريد. ففي سنة 2021، شهد العالم مشهداً استثنائياً تمثل في تدفق آلاف المغاربة نحو سبتة، في سياق أزمة دبلوماسية حادة بين البلدين عقب استقبال إسبانيا لزعيم جبهة البوليساريو للعلاج. وقد انتهت تلك الأزمة لاحقاً بإعادة ترتيب العلاقات الثنائية على أسس جديدة، كان أبرزها إعلان مدريد دعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها أساساً لتسوية نزاع الصحراء.

غير أن تكرار مشاهد العبور الجماعي في مناسبات لاحقة يجعل من الصعب اختزال الظاهرة في بعدها الدبلوماسي وحده. ففي صيف 2024، جاءت الدعوات إلى الهجرة الجماعية نتيجة حالة احتقان اجتماعي متنامية غذتها البطالة وغلاء المعيشة وتراجع الثقة في قدرة السياسات العمومية على توفير شروط العيش الكريم، وهو ما منح الظاهرة بعداً اجتماعياً واضحاً.

أما اليوم، فإن عودة المشهد تثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة السياق الذي أنتج هذه الموجة الجديدة. فمن الناحية الظاهرة، لا تبدو العلاقات المغربية الإسبانية تعيش أزمة مماثلة لأزمة 2021. لكن بعض المراقبين يربطون التطورات الأخيرة بالتحركات الدبلوماسية الإسبانية تجاه الجزائر، ويرون أن ملف الهجرة يظل إحدى أوراق الضغط التي تظهر كلما دخلت العلاقات الإقليمية مرحلة إعادة تموضع. ويبقى هذا التفسير في حدود القراءة السياسية التي تحتاج إلى معطيات رسمية تؤكدها أو تنفيها، ولا يمكن الجزم بها في غياب أدلة معلنة.

لكن، حتى لو صحت بعض التأويلات المرتبطة بحسابات السياسة الخارجية، فإنها لا تستطيع تفسير استعداد آلاف الشباب للمغامرة بحياتهم. فالدول قد تستثمر في الملفات السياسية، لكنها لا تستطيع أن تدفع الناس إلى المجازفة بأرواحهم ما لم تكن هناك بيئة داخلية تنتج الإحباط واليأس وتغذي الرغبة في الرحيل بأي ثمن.

إن الصور القادمة من محيط سبتة لا توثق مجرد محاولة لعبور الحدود، بل تكشف حجم الأزمة الاجتماعية التي يعيشها جزء واسع من الشباب المغربي. فحين يتحول البحر إلى أمل، والأسلاك الشائكة إلى معبر نحو مستقبل مجهول، فإن القضية لم تعد مرتبطة فقط بالهجرة، وإنما أصبحت تعبيراً عن تراجع الثقة في إمكانية بناء مشروع حياة داخل الوطن.

واللافت أن هذه الأحداث جاءت بالتزامن مع الاحتفاء الرسمي بالذكرى السابعة والعشرين لتربع الملك محمد السادس على العرش، وهي مناسبة تُستعرض فيها عادة حصيلة الإنجازات والأوراش الكبرى. غير أن المشهد الموازي الذي صنعه الشباب على حدود سبتة قدم رواية مختلفة؛ رواية لا تُكتب في البلاغات الرسمية، بل تُقرأ في وجوه الفارين، وفي الأطفال والنساء والشبان الذين خاطروا بحياتهم بحثاً عن فرصة يعتقدون أنها لم تعد ممكنة داخل بلادهم.

لقد شهد المغرب خلال العقود الماضية مشاريع بنية تحتية كبرى واستثمارات ضخمة غيرت ملامح المدن والطرق والموانئ، غير أن التنمية لا تُقاس فقط بالإسمنت والخرسانة، وإنما بقدرتها على إنتاج الأمل، وتوفير الشغل، وضمان العدالة الاجتماعية، وتعزيز الشعور بالمواطنة. وحين تتسع الهوة بين الإنجاز المادي والرضا الاجتماعي، تصبح مؤشرات الاحتجاج والهجرة واليأس أكثر حضوراً من مؤشرات النجاح الاقتصادي.

إن الهجرة الجماعية ليست مجرد قضية أمن حدود، ولا مجرد ملف دبلوماسي، بل هي في جوهرها مرآة تعكس مستوى الثقة بين الدولة ومواطنيها. وكل شاب يقرر المجازفة بحياته للوصول إلى الضفة الأخرى يبعث برسالة صامتة مفادها أن الأزمة الحقيقية ليست في البحر، بل في الظروف التي جعلت ركوبه يبدو أقل خطراً من البقاء.

ولذلك، فإن التعامل مع هذه الظاهرة بمنطق أمني فقط لن يوقف تكرارها، كما أن ربطها حصراً بالتجاذبات الإقليمية لن يفسر أسبابها العميقة. فالمعالجة المستدامة تبدأ من مراجعة السياسات العمومية الموجهة للشباب، وإعادة الاعتبار للتعليم والتشغيل والعدالة المجالية، وربط النمو الاقتصادي بتحسين جودة الحياة، لأن المجتمعات التي تمنح أبناءها أملاً حقيقياً لا تخشى أن يتحول البحر إلى طريق جماعي للهروب.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك