الحيداوي يكتب:السجن..حين يصبح الوضوء مغامرة

الحيداوي يكتب:السجن..حين يصبح الوضوء مغامرة
أقلام حرة / السبت 25 يوليوز 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم:عبد الفتاح الحيداوي

هناك مشاهد لا تغادر الذاكرة مهما حاول الإنسان أن يدفنها تحت ركام السنين. وما زلت كلما تذكرت صباحات السجن، أشعر أن معدتي تستعيد ذلك الألم القديم قبل أن تستعيد ذاكرتي التفاصيل.
كان الفطور يصل إلينا بسجن الرماني في(طنجية)حديدية ضخمة يحملها سجينان بصعوبة. يتقدمان حتى يقفا أمام الزنازين، ثم يمد كل واحد منا كأسه من بين قضبان الباب الحديدي، فينسكب فيه شيء يسمونه قهوة.
إلى اليوم، لا أستطيع أن أصف لونها ولا رائحتها ولا مذاقها. وأعتقد أن أي أديب، مهما أوتي من البلاغة، سيعجز عن رسم صورة دقيقة لذلك السائل. لذلك سأكتفي بما هو أصدق من الوصف بعد أن تشربها، يكون أفضل مكان تجلس فيه هو بجوار المرحاض. أما تفاصيلها الأخرى، فقد تكفلت المعدة بحفظها أكثر مما حفظتها الذاكرة.
الغداء لم يكن أفضل حالا. مرق تسبح فيه بعض الخضروات. كنت أتعرف إلى البطاطس والجزر، أما ما بقي فكان يفقد هويته قبل أن يصل إلى أفواهنا. أما المرق نفسه، فكان يشبه تلك القهوة شيء يصعب وصفه، وربما يستحيل. والغريب أنني، وأنا أكتب هذه السطور الآن، شعرت بوخزة في معدتي، كأن الجسد يحتفظ بذاكرة لا تستطيع السنوات محوها.
لولا صديق كان يقتسم معي ما تجود به عائلته في الزيارة، لما أدري كيف كنت سأواجه تلك الأيام. كانت بعض الأرغفة، أو قطعة جبن، أو تمرات قليلة، تعني الفرق بين يوم يمكن احتماله، ويوم ينهار فيه الجسد.
لكن الطعام لم يكن أقسى ما في السجن.
الأقسى أننا كنا خمسين معتقلا داخل زنزانة واحدة.
اكتب الرقم مرة أخرى: خمسون.
ليس مجرد خمسين اسما، بل خمسون جسدا، وخمسون نفسا، وخمسون قصة، كلها محشورة في مساحة واحدة. النوم يصبح معركة، والجلوس معركة، والتنفس أحيانا يحتاج إلى تفاوض غير معلن مع الآخرين.
في تلك الأيام تعرفت إلى شاب كان يراقبني وأنا أصلي. اقترب مني ذات يوم وقال بصوت خافت:
(معظم من في الزنزانة لا يصلون، وليس لأنهم يمنعونك، ولكن لأن المكان لا يترك لك مساحةا)
لم أفهم قصده إلا عندما جاء فجر اليوم التالي.
كان أغلب المعتقلين ينامون على الأرض، متلاصقين كأنهم صف واحد لا فراغ فيه. وللوصول إلى مكان الوضوء، كان عليك أن تتجاوز أجساد النائمين دون أن توقظهم. وإذا نجحت في ذلك، بدأت معركة أخرى البحث عن رقعة صغيرة تتسع لسجدة.
كان الأمر أقرب إلى عبور حقل ألغام بشرية.
تعالت الأصوات، وارتفعت الاحتجاجات، وتشابكت الأقدام بالأجساد. لم تكن معركة مع أشخاص، بل مع ضيق المكان نفسه.
ثم اكتشفت مفاجأة لم تخطر ببالي.
أخبرني ذلك الشاب أن بعض المعتقلين كانوا يخفون صلاتهم، ليس خوفا من أحد، وإنما هربا من هذا الصراع اليومي. كانوا ينتظرون حتى يهدأ المكان، أو يصلون فرادى في أوقات لا يراهم فيها أحد.
لكن شيئا بدأ يتغير.
مع مرور الأيام، أخذ عدد المصلين يزداد شيئا فشيئا. وكأن صلاة شخص واحد أعطت آخرين شجاعة الظهور، ثم صار الخائفون أقل، والمصلون أكثر.
وفي أحد الأيام، ارتفع الأذان داخل الزنزانة.
توقفت من الدهشة.
التفت إلى صاحبي وقلت: أول مرة.
ابتسم وقال: نعم... أول مرة.
ساد الصمت في داخلي أكثر من صمت الزنزانة.
كيف يمكن أن يعيش الإنسان في بلد يرفع فيه الأذان خمس مرات كل يوم، ثم يكون رفعه داخل زنزانة حدثا استثنائيا؟
عندها قال لي جملة لم أنسها إلى اليوم:
(إذا أراد الباحثون في الشأن الديني أن يعرفوا الإسلام الحقيقي في هذا البلد، فلا يكتفوا بالجامعات ولا بالمؤتمرات ولا بالإحصاءات... فليدخلوا السجون أولا. هناك سيرون كيف يتشكل التدين تحت ضغط الجوع، والازدحام، والخوف، واليأس، وكيف يختبر الإيمان حين تصبح السجدة نفسها معركة.)
ومنذ ذلك اليوم، أدركت أن السجن لا يسلب الإنسان حريته فقط، بل يعيد تعريف أبسط الأشياء في حياته. حتى فنجان القهوة، ولقمة الطعام، وسجدة الفجر... تتحول إلى اختبارات يومية لا يعرف حقيقتها إلا من عاشها.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك