بقلم:عبد الناصر ناجي
لم تكن ليلة التاسع من يوليوز 2026 في مدينة بوسطن الأمريكية مجرد تسعين دقيقة انقضت بإطلاق لصافرة النهائية للحكم، بل كانت لحظة مكاشفة وطنية كبرى، تداخلت فيها المشاعر الجياشة بالأسئلة الفلسفية العميقة. على أرضية “ملعب جيليت” بمدينة بوسطن، وفي إطار ربع نهائي كأس العالم 2026، وضعت مباراة المنتخب المغربي ونظيره الفرنسي أوزارها على وقع هزيمة قاسية بهدفين دون رد؛ هزيمة لم تكسر قلوب الملايين الذين أثثوا المدرجات وشاشات العرض من طنجة إلى الكركرات فحسب، بل أعادت إلى الواجهة نقاشاً أزلياً يتجاوز تدحرج الجلد المنفوخ على العشب: كيف يتحول النصر الرياضي إلى طموح سيادي؟ وكيف تكشف الهزيمة الكروية عن الفجوات غير المرئية في جدار النهضة الشاملة؟
لقد دخل “أسود الأطلس” هذه البطولة بثوب جديد، متحررين من ميزة “الحصان الأسود” التي رافقتهم في مونديال قطر 2022، ومسلحين بأداء هجومي باهر واستحواذ ذكي مكنهم من الإطاحة بمنتخبات كروية كبرى من طينة هولندا وكندا. غير أن الموقعة الفرنسية جاءت مغايرة، بظهور وُصف بالباهت والمخيب للآمال، ليتساءل الشارع الرياضي والسياسي على حد سواء: هل كانت الهزيمة مجرد كبوة تكتيكية وإرهاق بدني؟ أم أن خيوطاً خفية، سيكولوجية، وسياسية، وتنموية، كانت تحاك خلف الكواليس لتصنع سيناريو السقوط في أمتار المجد الأخيرة؟
عندما ينتصر دهاء ديشان على أماني وهبي
من الناحية التقنية الصرفة، لا يمكن فهم الظهور الباهت للمنتخب المغربي دون تفكيك الإستراتيجية التي أدار بها المدرب محمد وهبي اللقاء، مقارنة بالواقعية الصارمة التي نهجها الثعلب الفرنسي ديدييه ديشان. دخل المغرب المباراة وهو يحمل جينات أسلوبه الجديد المعتمد على البناء الهجومي المنظم والتحكم في إيقاع اللعب بفضل مهارات بعض لاعبيه. لكن التراجع التكتيكي المبالغ فيه والانكماش الدفاعي غير المبرر في الشوط الأول شكل المفاجأة الأولى التي بعثرت التوقعات.
لقد عزل خط الوسط المغربي تماماً عن خط هجومه، ووقع الفريق في فخ التحضير البطيء للهجمات الذي منح الدفاع الفرنسي الوقت الكافي لإغلاق كل المنافذ. وتكشف لغة الأرقام والإحصائيات عن فجوة مرعبة في الفعالية والنجاعة؛ إذ تشير البيانات إلى أن المنتخب الفرنسي أمطر مرمى الحارس ياسين بونو بـ 22 تسديدة طوال المباراة، في مقابل 5 تسديدات فقط للمنتخب المغربي. هذا الاختلال الرقمي يوضح أن بونو كان يواجه إعصاراً هجومياً مستمراً نتيجة خسارة معركة وسط الميدان.
ومع انطلاق الشوط الثاني، وفي ظرف ست دقائق قاتلة، تجسد الفارق الحاسم بين العبقرية الفردية والمنظومة الجماعية المرهقة. في الدقيقة 60، استغل كيليان مبابي هفوة تمركز في التغطية الدفاعية المغربية ليفتتح التسجيل بلمسة ساحرة. ورغم التدخل الفوري للإدارة التقنية المغربية بإقحام بعض اللاعبين الاحتياطيين لضخ دماء جديدة وإعادة التوازن للفريق، إلا أن السرعة الفرنسية في التحول لم تمهل الأسود وقتاً للاستفاقة، حيث أطلق عثمان ديمبيلي رصاصة الرحمة في الدقيقة 66 محرزاً الهدف الثاني.
هذا الانهيار الخاطف لم يكن وليد صدفة، بل كان نتيجة حتمية للاستنزاف البدني والذهني المفرط الذي عانى منه اللاعبون الشباب بعد مواجهات ماراطونية بدنية ضد هولندا وكندا، مما جعل “خزانات الوقود البدني” تنفد تماماً في مواجهة منتخب فرنسي يتميز بالعمق والخبرة في إدارة المواعيد الكبرى. كما أن الارتباك التكتيكي الواضح الذي شاب تدبير المباراة من طرف المدرب المغربي سواء على مستوى التشكيلة التي دخلت المقابلة أو على مستوى تموضع اللاعبين على رقعة الملعب أو على مستوى تنويع خطط اللعب بين الدفاع والهجوم، أسهم بشكل كبير في تواضع أداء المنتخب المغربي.
بين العقلية الاحترافية ونظرية المؤامرة
خارج حدود الميدان، كانت المباراة تسبح في بحر من التجاذبات الجيوسياسية الساخنة. ولم يكن غريباً أن تذهب بعض التحليلات، مدفوعة بالعاطفة أو بالقراءات السطحية، إلى تزكية “نظرية المؤامرة“، وربط الهزيمة الكروية بالتحولات الدبلوماسية الأخيرة بين الرباط وباريس، وتحديداً الاعتراف الفرنسي الصريح بمغربية الصحراء. ذهب أصحاب هذا الطرح إلى تصوير الهزيمة الكروية في بوسطن كنوع من “المكافأة الرمزية” أو المقايضة الضمنية لتشجيع باريس على المضي قدماً في دعم المواقف الإستراتيجية للمملكة.
بيد أن هذا التحليل، رغم جاذبيته السردية لدى البعض، يصطدم بصخرة الواقعية الجيوسياسية وعقلية الاحتراف الحديث. فالدول الكبرى لا تبني مواقفها السيادية والعليا، التي تحكمها مصالح اقتصادية وأمنية بمليارات الدولارات، بناءً على نتيجة مباراة في كرة القدم. كما أن النخبة الكروية المغربية لنسخة 2026 تتشكل من لاعبين يمتلكون عقلية أوروبية احترافية صارمة؛ فالوصول إلى نهائي كأس العالم هو ذروة المجد الشخصي والمهني للاعبي المنتخب، وهو مجد يصعب مقايضته بقرارات سياسية تُطبخ في أروقة الدبلوماسية الرسمية.
ومع ذلك، فإن نفي نظرية المؤامرة لا يعني نفي التوظيف السياسي للرياضة، والذي تجلى بوضوح صارخ في ذات البطولة عندما تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصياً لدى رئيس الفيفا لإلغاء البطاقة الحمراء والعقوبة الإدارية بحق المهاجم الأمريكي فولارين بالوغون بعد مباراة البوسنة. إن هذا التدخل الأمريكي العلني أثبت للعالم أن كرة القدم لم تعد معزولة عن ضغوط القوى العظمى وقوتها الناعمة.
وفي السياق المغربي–الفرنسي، تجسد هذا التداخل السياسي في الضغط السيكولوجي الرهيب والبروباغندا الإعلامية التي سبقت اللقاء. لقد تحولت المباراة في المخيال الجمعي إلى “معركة هوية” وصراع على الولاء الكروي، خاصة مع وجود لاعبين مزدوجي الجنسية تكوّنوا في المدارس الفرنسية ويحملون قميص الوطن الأم. هذا الشحن الإعلامي والسياسي حول رقعة الملعب إلى ساحة لتصفية حسابات رمزية مرتبطة بالذاكرة والتاريخ والهجرة، مما أفرز انسدادا ذهنيا وحذراً مفرطاً لدى اللاعبين المغاربة، الذين دخلوا اللقاء مثقلين بعبء تاريخي ونفسي فاق قدرتهم على التركيز التكتيكي الصرف.
الإشكال الأعمق: الرياضة مرآة للتنمية الشاملة
إذا تجاوزنا القراءات التقنية والسياسية المباشرة، فإن هزيمة 9 يوليوز تضعنا أمام إشكال فلسفي وتنموي أكثر عمقاً وجدية: هل يمكن لصرح رياضي أن يستقر ويستدام في القمة بمعزل عن نهضة وطنية شاملة تغطي كافة المجالات الاقتصادية
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك