هرطقات بنكيران، أو حين يصبح الاحتقار برنامجاً سياسياً

هرطقات بنكيران، أو حين يصبح الاحتقار برنامجاً سياسياً
أقلام حرة / الخميس 09 يوليوز 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم : سعيد الكحل

مما لا شك فيه أن متانة الديمقراطية لا تقاس بعدد الأحزاب السياسية أو بانتظام الانتخابات فحسب، وإنما تقاس أيضاً بطبيعة الثقافة السياسية التي تنتجها، وبنوعية الخطاب الذي يدير به الفاعلون السياسيون خلافاتهم.

فاللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير عن الأفكار، وإنما هي، في الآن نفسه، أداة لإنتاج الثقافة السياسية، وصناعة صورة الخصم، ورسم الحدود بين المشروع وغير المشروع، وبين المقبول والمرفوض.

وحين تنحدر اللغة، لا يظل الانحدار محصوراً في الكلمات، بل يمتد إلى السلوك السياسي وإلى علاقة المواطنين بمؤسساتهم.

مناسبة هذا الحديث التصريحات التي وجه فيها الأمين العام للبيجيدي، عبد الإله بنكيران، أوصافاً قدحية إلى مستشاري جلالة الملك، السيدين فؤاد عالي الهمة وأندري أزولاي، حين نعتهم بـ"القنادح". والقندوح في الدارجة المغربية هو الشخص عديم الأخلاق والضمير والذي يسمح لنفسه أن يفعل ما يستطيع من الشرور لغيره.

وهذا هو المعنى الذي قصده بنكيران للتقليل من شأن مستشاري جلالة الملك والإساءة البليغة إليهما بدليل التفسير الذي قدمه عزيز هناوي، العضو البارز في البيجيدي ولسان حال بنكيران ومريده، في تدوينة على صفحته في الفيسبوك: "الجنرال محمد أفقير الجزار الدموي الانقلابي نموذج بروفايل "القندوح" في الحقل السياسي المغربي بمصطلح بنكيران".

هذا السلوك يعبر عن "قلة الحياء" من شخص ترأس الحكومة لولاية كاملة دون أن يتمرس على "الآداب السلطانية" وما تقتضيه من واجب التحفظ وكذا العمل على تدعيم هيبة الدولة ومؤسساتها. وكيف لبنكيران أن يفعل وهو خريج مدرسة حسن البنا والمودودي وحامل فتوى ابن تيمية "ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري أينما رحت لا تفارقني. أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة" التي أشهرها في وجه الدولة، وهو رئيس للحكومة، وكأنه يتهم السلطات العليا بالتخطيط لاستهدافه؟

إن مستشاري الملك ليسوا مجرد موظفين يشغلون مواقع إدارية، وإنما يمارسون مهامهم داخل المؤسسة الملكية التي يمنحها الدستور مكانة خاصة باعتبارها الضامن لوحدة الدولة واستمرارها والساهرة على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات. ولذلك فإن احترام الأشخاص الذين يمثلون هذه المؤسسة أثناء ممارستهم لمهامهم لا يتعلق باعتبارات شخصية، وإنما يدخل في إطار الاحترام الواجب للمؤسسات الدستورية نفسها.

فالمؤسسات لا توجد في الفراغ، وإنما تتجسد من خلال أشخاص يؤدون وظائفها، والانتقاص منهم بلغة الاحتقار ينعكس، بالضرورة، على الصورة الاعتبارية للمؤسسة التي يمثلونها.

غير أن الإشكال لا يقف عند هذا الحد. فحتى لو تعلق الأمر بمواطنين عاديين، فإن الدستور المغربي جعل الكرامة الإنسانية حقاً أصيلاً لا يرتبط بالموقع الاجتماعي أو الوظيفي. والمواطنة في الدولة الدستورية تقوم على المساواة في الحقوق والواجبات، وعلى الاعتراف المتبادل بين الأفراد، وعلى حماية السلامة المعنوية للأشخاص.

ولذلك فإن الاختلاف السياسي لا يَمنح لأي طرف حق تجريد خصمه من الاحترام أو معاملته باعتباره أقل قيمة من غيره. ولا يبدو أسلوب التحقير والإهانة هذا معزولاً عن المسار الخطابي لعبد الإله بنكيران. فقد سبق له أن وصف المواطنين الذين رفعوا شعار "تازة قبل غزة" بـ"الحمير" و"الميكروبات" و"الحشرات"، وهو توصيف لم يكن مجرد انفعال عابر، بل كشف عن ميل متكرر إلى نزع المشروعية الأخلاقية عن المخالفين بدل محاورتهم. فحين يتحول صاحب الرأي الآخر إلى "ميكروب" أو "حمار"، فإن النقاش ينتقل من مستوى الأفكار إلى مستوى الإلغاء الرمزي للإنسان نفسه.

وهذا ما يسميه علماء تحليل الخطاب بآلية "التجريد من الإنسانية". وهي ليست مجرد استعارة لغوية، بل تقنية رمزية تجعل الخصم يبدو فاقداً للقيمة، بحيث يصبح احتقاره أمراً عادياً، بل ومقبولاً لدى الأنصار. وقد أثبتت تجارب كثيرة أن الكراهية لا تبدأ بالعنف، وإنما تبدأ بالكلمات التي تبرر ازدراء الآخر وتجرده من الاعتبار الأخلاقي.

الإهانة وسيلة للتعبئة.

إن أي زعيم سياسي لا يتحدث بصفته الفردية فقط، وإنما بصفته منتجاً للمعنى داخل المجتمع. وكل كلمة تصدر عنه تحمل وظيفة تربوية، سواء قصد ذلك أم لم يقصد.

ولهذا فإن اللغة التي يستعملها زعيم سياسي ما تتحول سريعاً إلى قاموس يتداوله الأنصار، ثم إلى ثقافة سياسية تتجاوز صاحبها. وما يتلفظ به بنكيران من بذاءة وخسة ينم عن فقر أخلاقي وخواء روحي جعلاه يتنكر لقول الرسول الكريم "ليس المُؤمِنُ بالطَّعَّانِ ولا اللَّعَّانِ ولا الفاحشِ ولا البَذيءِ".

وهذا حال من لا يتوفر على برامج انتخابي جاد يقنع به المواطنين ويعبئهم لصالحه. وخطورة الأمر أنه عندما تصبح الإهانة وسيلة للتعبئة، فإن المجتمع كله يدفع الثمن، لأن حدود الاحترام تتآكل تدريجياً، ويصبح الاحتقار سلوكاً عادياً في المجال العام. لقد نبه يورغن هابرماس إلى أن الديمقراطية لا تعيش بالمؤسسات وحدها، وإنما بوجود فضاء عمومي يقوم على النقاش العقلاني، حيث تكون قوة الحجة هي مصدر الشرعية، لا حدة الصوت ولا قسوة العبارة.

كما حذر كارل بوبر من أن المجتمع المفتوح قد يهزم نفسه إذا تساهل مع الخطابات التي تقوض قواعد التعايش والاحترام المتبادل. والمقصود ليس التضييق على حرية التعبير، وإنما التمييز بين الحرية والمسؤولية، لأن الديمقراطية لا تمنح أحداً امتياز تحويل المجال العمومي إلى فضاء للكراهية. ويزداد الأمر خطورة عندما يتعلق الخطاب بمؤسسات الدولة. فالثقة في المؤسسات لا تبنى بالنصوص القانونية وحدها، وإنما أيضاً بطريقة الحديث عنها. صحيح أن المؤسسات ليست فوق النقد، بل إن مساءلتها شرط للديمقراطية، لكن النقد شيء، وتحويلها إلى موضوع للازدراء شيء آخر تماماً. فحين تصبح اللغة السياسية قائمة على التحقير، فإن هيبة المؤسسات تتراجع في الوعي الجماعي، فيضعف الإحساس المشترك بالانتماء إلى دولة واحدة بقواعد موحدة.

لا جدال في أن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس وجود الاختلاف، وإنما انهيار القواعد التي تنظم هذا الاختلاف. فحين يصبح الاحتقار بديلاً عن الحجة، والتجريح بديلاً عن البرهان، يفقد المواطن ثقته في السياسة، لا لأنها عاجزة عن حل المشكلات، بل لأنها لم تعد قادرة حتى على إنتاج خطاب يحترم الإنسان. ولذلك فإن الحاجة اليوم ليست فقط إلى تجديد النخب أو إصلاح القوانين، وإنما إلى إعادة الاعتبار لأخلاقيات الخطاب السياسي.

فالدولة الديمقراطية لا تقوم على قوة المؤسسات وحدها، بل على قوة الثقافة التي تحمي هذه المؤسسات، وعلى وعي الفاعلين السياسيين بأن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون حقاً، وأن احترام الخصم ليس مجاملة شخصية، بل شرط من شروط بقاء الوطن فضاءً يتسع لجميع أبنائه.

 

 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك