بقلم:كريمي مصطفى/رئيس التنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الاسلاميين
إن المتابع للشأن المغربي وخاصة في جانبه الحقوقي لا يمكنه إلا أن يتساءل عن معنى العدالة إذا أصبحت تطبق على فئة وتغيب عن أخرى وعن معنى حقوق الإنسان إذا تحولت إلى شعارات ترفع في بعض الملفات وتختفي في ملفات أخرى فالحقوق لا تتجزأ والكرامة الإنسانية لا تقبل التصنيف والواجب الأخلاقي والحقوقي يفرض المساواة بين جميع المعتقلين دون تمييز بسبب الانتماء أو التوجه أو الخلفية الفكرية
لقد تابعنا أمس بارتياح خبر الإفراج غير المشروط عن بعض معتقلي جيل Z بعد تسعة أشهر من الاعتقال وفرحنا لهم ولعائلاتهم التي عاشت أشهرا من القلق والترقب والمعاناة كما نتابع الحراك الحقوقي والإعلامي المتواصل المطالب بالإفراج عن معتقلي الريف ونتمنى لهم الحرية والعودة إلى أهلهم وذويهم سالمين مكرمين
وأمام هذه المشاهد الحقوقية يخيل للمرء أن المغرب يسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ دولة الحقوق والحريات وأن جميع المظالم تجد طريقها نحو الحل والإنصاف لكن سرعان ما يفرض سؤال نفسه بقوة ويكسر هذا الانطباع أين المعتقلون الإسلاميون من كل هذا وأين موقعهم من خريطة الإنصاف والمصالحة وجبر الضرر
ما حجم الألم الذي يجب أن يقدموه وما مقدار المعاناة التي ينبغي أن تتحملها زوجاتهم وأبناؤهم وآباؤهم وأمهاتهم حتى يلتفت إليهم أصحاب القرار وكم سنة أخرى يجب أن تضاف إلى أعمارهم السليبة حتى يعترف أحد بأن لهم حقوقا كما لغيرهم حقوق
فالمعتقلون الإسلاميون لم يحملوا السلاح كما فعل غيرهم في مراحل سابقة من تاريخ المغرب ومع ذلك تم الإفراج عن أصحاب تلك الملفات وتم جبر ضررهم وإعادة الاعتبار إليهم ولم يدعوا إلى قلب نظام الحكم ولم يدعوا بإسقاط الملكية ولم يقودوا مظاهرات مليونية ولم يخرجوا في حركات احتجاجية واسعة هزت البلاد ولم يمارسوا التخريب أو الفوضى ومع ذلك ما زال كثير منهم وعائلاتهم ينتظرون التفاتة إنصاف تعيد الاعتبار لمعاناتهم وتضع ملفهم ضمن القضايا التي تستحق المعالجة العادلة والمنصفة
إن القضية اليوم ليست قضية أشخاص فقط بل قضية مبدأ فإما أن تكون العدالة للجميع أو لا تكون عدالة وإما أن تشمل حقوق الإنسان الجميع أو تتحول إلى مجرد انتقائية تفقد معناها ومصداقيتها
فكيف يمكن الحديث عن الإنصاف وجبر الضرر بينما لا يزال آلاف الآباء والأمهات والزوجات والأبناء ينتظرون نهاية معاناة امتدت لسنوات طويلة وكيف يمكن بناء مصالحة حقيقية إذا ظلت فئة من المتضررين خارج حسابات الإنصاف والاعتبار
إن ملف المعتقلين الإسلاميين ليس عبئا على الوطن بل هو اختبار حقيقي لمدى صدق الشعارات الحقوقية ومدى الالتزام الفعلي بمبدأ المساواة أمام العدالة وإن استمرار تجاهل هذا الملف لا يخدم صورة العدالة ولا يعزز الثقة في مسار الإنصاف والمصالحة
إن إطلاق سراح المعتقلين الإسلاميين وجبر الضرر الذي لحق بهم وبعائلاتهم ورد الاعتبار إليهم ليس منة من أحد بل حق مشروع تفرضه قيم العدل والإنصاف والكرامة الإنسانية وهو واجب أخلاقي وحقوقي على كل حر شريف يؤمن بأن الوطن لا يبنى بالإقصاء وأن العدالة الحقيقية لا تفرق بين ضحية وضحية ولا بين معتقل ومعتقل وأن الكرامة حق للجميع بلا استثناء
فالحرية لا تتجزأ والعدالة لا تنتقي ضحاياها والإنصاف الحقيقي هو الذي يطرق أبواب الجميع دون تمييز
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك